الانتخابات العراقية.. خارطة تحالفات مبكرة ومصدر يعلق على "حظوظ الكاظمي"
شيئا فشيئا تتوضح صورة التحالفات السياسية في العراق، سواء تلك التي ستدخل الانتخابات المقبلة ككيان واحد أو عبر الاتفاق على مرحلة ما بعد عملية الاقتراع المقررة في أكتوبر المقبل.
ويرجح محللون معنيون بالشأن العراقي أن تؤدي الانتخابات إلى نتائج مماثلة لنتائج انتخابات عام 2018، واستمرار سيطرة الأحزاب المشاركة في الحكومة حاليا، مع بعض الاستثناءات وربما المفاجآت، فيما تحدثوا عن حظوظ رئيس الحكومة الحالية مصطفى الكاظمي في الحفاظ على منصبه لولاية جديدة.
وأجلت الحكومة العراقية إجراء الانتخابات العامة إلى العاشر من أكتوبر المقبل، بدلا من موعدها الأصلي في يونيو 2022، استجابة لضغوط المحتجين المناهضين للنخبة الحاكمة، خلال مظاهرات نظموها ابتداء من أكتوبر 2019.
في ظل المؤشرات الموجودة حاليا والتحركات المبكرة للقوى السياسية الحاكمة في البلاد، يعتقد الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حارث حسن، أن الانتخابات المقبلة لن "تحدث تغييرا جذريا ولا استنساخا تاما للتجارب السابقة".
ويضيف أن "مخرجات الانتخابات القادمة، من المؤكد أنها لن تكون منسجمة تمام مع مطالب المحتجين، أو تأتي بدماء جديدة".
ويضيف حارث في حديث لموقع "الحرة" أن "فرص القوى الجديدة التي أفرزتها الحركة الاحتجاجية، في حال افترضنا أنها ستشارك في الانتخابات، محدودة جدا ولا اعتقد أنها ستحقق اختراقا كبيرا".
تحدث الباحث المختص في الشأن العراقي، حارث حسن، أيضا عن طبيعة التحركات التي تقوم بها قوى سياسية معروفة قبيل الانتخابات، وأشار إلى أن هذه التحركات توحي باحتمال عدم استنساخ الصيغ السابقة في تشكيل الحكومة.
من بين هذه التحركات، التقارب بين تيار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر وزعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني وبعض القوى السنية.
في المقابل، هناك اصطفاف بين تحالف الفتح الذي يتزعمه هادي العامري ويضم فصائل مسلحة موالية لإيران، وبين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والاتحاد وقوى سنية أيضا.
يقول حسن أن هذه المعطيات "توحي على الأقل أن هناك إمكانية لإعادة تجربة تحالفي الإصلاح والبناء في 2018، لكن هذه المرة برسوخ أكثر، أي أنها لن تكون شكلية وإنما ممكن ان تتطور وتتحول لتحالفات حقيقية".
وأشار تحليل لمعهد "بروكنغز" للأبحاث، نشر الخميس، إلى وجود تحالف رسمي واحد حاليا من بين الأحزاب الحاكمة ويتمثل بـ"تحالف قوى الدولة الوطنية" الذي عقد بين رئيس الحكومة الأسبق حيدر العبادي وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم.
إما الائتلافات غير الرسمية المتوقع تشكيلها في مرحلة ما بعد الانتخابات، وفقا لصاحبة التحليل مرسين الشمري، فالأول بين الصدر وبرزاني، والثاني بين العامري والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة مشتركة من لاهور شيخ جنكي وبافل طالباني، بحسب الشمري التي أشارت إلى أنه من المتوقع أن ينضم إليهم رئيس مجلس النواب الحالي محمد الحلبوسي.
وأعلنت مفوضية الانتخابات العراقية في مايو الماضي إغلاق باب تسجيل الكيانات والأحزاب والكتل والتحالفات السياسية التي يحق لها المشاركة في الانتخابات المقبلة.
وخلال انتخابات 2018 حصد تحالف "سائرون"، الذي جمع بين التيار الصدري والحزب الشيوعي وتكنوقراط مدنيين، المرتبة الأولى بـ54 مقعدا من أصل 329. وجاء تحالف "الفتح" ثانيا بـ47 مقعدا، بينما حل ائتلاف "النصر" ثالثا بـ42 مقعدا.
ونال الحزب الديموقراطي الكردستاني 25 مقعدا، كما حصد "تيار الحكمة" 19 مقعدا، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني 18 مقعدا.
لكن بالمقابل ربما تكون التحالفات الحالية هشة وعبارة عن تفاهمات أولية وفقا لأستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة، إياد العنبر.
يقول العنبر لموقع "الحرة" إن "المعطيات الموجودة على الأرض اليوم لا تؤكد أن التحالفات الحالية هي انتخابية وإنما هي عبارة عن محاولة لرسم خارطة طريق للتحالفات بعد معرفة أوزانها الحقيقية في الانتخابات".
ويضيف العنبر أن "خارطة التحالفات قد تكون هشة وعبارة عن تفاهمات أولية لا تعطي انطباعا أنه يمكن البناء عليها، أو ممكن أن تشكل تغييرا في المشهد السياسي أو إدارة التوافقات السياسية التي تنبثق منها الحكومة المقبلة".
ولم يغفل العنبر الدور الخارجي الذي يمكن أن يكون له تأثير في تشكيل التحالفات، لكنه أشار إلى أن هذا الدور "لا يزال غائبا عن مثل هكذا تحالفات لأنها غير محسومة لحد اللحظة".
لكن في النهاية يضع العنبر شرطين أساسيين لحصول تغيير حقيقي بعد الانتخابات، الأول مدى إصرار الكتل السياسية الحالي في الانقلاب على منظومة التوافقات التي انتجت الحكومات الضعيفة في السابق".
"والثاني مدى قوة أو ضعف التدخلات الخارجية، التي كانت لا تسمح بقيام أي تحالفات جديدة قادرة على انشاء حكومة قوية في قبال معارضة قوية"، وفقا للعنبر.
وأقر العراق قانون انتخابات جديدا في 2019 يفضل نظريا المرشحين المستقلين. وهي خطوة تهدف لتشجيع المرشحين الشباب المؤيدين للديمقراطية على الترشح. لكن قليلين منهم فعلوا ذلك حتى الآن، وآخرون قرروا الانسحاب بعد تزايد عمليات الاغتيال التي طالت ناشطين مؤيدين لحركة الاحتجاج.
ومذّاك، دعا 17 تيارا ومنظمة منبثقة عن الحركة الاحتجاجية رسميا إلى مقاطعة الانتخابات المبكرة.
يرى حارث حسن أن " قوى الاحتجاج تشكك بإجراء انتخابات حرة ونزيهة ومعظمها قررت المقاطعة، وهذا يعني أن أي مخرجات للانتخابات سيكون مشكوكا فيها خصوصا إذا ترافقت مع اتهامات كبيرة بالتزوير".
في المقابل، يقلل العنبر من تأثير "قوى تشرين" المرتبطة بالحركة الاحتجاجية على المشهد السياسي في العراق.
ويقول إن هناك نوعا من المبالغة والاندفاع السياسي بأن قوى تشرين يجب أن تشارك في الانتخابات، وإذا شاركت يمكن أن تؤثر"، مضيفا أن "العمل السياسي يحتاج إلى تراكمات، خاصة وأنك تتعامل مع قوى سياسية تقليدية تسيطر على جميع مفاصل الدولة والمجتمع وتمتلك السلطة".
ويتابع العنبر أن "المنافسة مع هذه القوى في الانتخابات ليس سهلا"، مستدركا بالقول: "ثورة تشرين هي خطوة أولى لتصحيح المسار المشهد السياسي الذي يعاني من الفشل والفوضى".
في أواخر 2019 شاركت مجموعات ضخمة من العراقيين في احتجاجات حاشدة تطالب بإزاحة هذه الطبقة الحاكمة. وقُتل مئات المحتجين عندما فتحت قوات الأمن ومسلحون النار على المتظاهرين. واضطرت الحكومة في ذلك الوقت وكانت برئاسة عادل عبد المهدي للاستقالة.
بعد عدة أشهر تم اختيار مصطفى الكاظمي كرئيس وزراء مؤقت، وعد بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين وإصلاح قوانين الانتخابات، والحد من نفوذ الجماعات المسلحة.
لكن بعد مرور نحو عامين لم تحقق المحاكمات الخاصة بقتل المتظاهرين النتائج المرجوة منها. كما تبدو النخبة القديمة في سبيلها لتعزيز سلطتها بينما يشكو النشطاء من أن الحريات السياسية تآكلت أكثر فأكثر.
وفي مناسبات عدة، أكد رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي أنه لن يترشح للانتخابات وسيعمل على توفير أجواء أمنة لإجرائها.
يوضح الباحث حارث حسن أن الكاظمي يشعر بأن التنافس في الانتخابات قد يؤدي الى وضع غير مستقر لأن بعض الأطراف ستنظر له كطرف سياسي يهتم بمصالحه وبالتالي قد يؤثر ذلك على نزاهة الانتخابات".
نقطة أخرى أشار إليها حسن وهي أن الكاظمي فضل عدم الترشح لأنه لا يمتلك كيانا سياسيا قويا وواضح المعالم يمكن المغامرة به وخوض الانتخابات".
لكن ومع ذلك يعتقد إياد العنبر أن "الكاظمي قد يراهن على احتمالية عدم التوافق على مرشح يرأس الحكومة، وبالتالي قد تضطر القوى الفائزة لإعادة ترشيحه.. صحيح أنه احتمال صعب لكنه ليس مستحيلا".
في السياق ذاته نفى مصدر مقرب من الكاظمي صحة هذه التوقعات، وقال لموقع الحرة إن "الكاظمي لن يرشح وليست لديه أي خطة لولاية ثانية أو اتفاق مع أي جهة سياسية بهذا الشأن".
وأضاف المصدر أن "الكاظمي عازم على عدم خوض الانتخابات حفاظا منه على سلامتها ونزاهتها".