تحول كبير.. الإيغور في تركيا يخشون الأسوأ
لأكثر من شهرين لم يتردد الناشط الإيغوري، جيفلان شير محمد، بالمشاركة في المظاهرات أمام القنصلية الصينية في إسطنبول، للمطالبة كغيره من آلاف الإيغور الذين يعيشون في البلاد، بإطلاق الصين سراح ذويهم وإغلاق معسكرات الاعتقال ووقف "الإبادة الجماعية".
جيفلان الذي فقد التواصل مع عائلته في الصين منذ سنوات، تنعدم الخيارات بيده حاليا للوصول إلى أي خبر عن والدته التي اعتقلتها السلطات الصينية، وأحالتها إلى معسكرات الاعتقال، بسبب زيارتها تركيا عام 2013 لرؤية ابنها.
ويقول جيفلان، في تصريحات لموقع "الحرة"، "لم يقف الأمر عند اعتقال أمي بل اعتقلوا أبي وأخوتي. في عام 2018 أفرجت السلطات الصينية عنهم، لكنها أبقت على أمي في معسكرات الاعتقال الجماعية. لا أدري إن كانت على قيد الحياة أو توفيت".
"نحن أناس مغدورون، ولكم أن تتخيلوا سبب اعتقال أمي في الصين. فقط لأنني أدرس في تركيا وزارتني لمرة واحدة!"، يضيف جيفلان الذي يحمل شهادة الحقوق من إحدى الجامعات في إسطنبول، ويتابع: "مشاعرنا الآن تختلط بين الحزن من جهة والقلق والخوف من جهة أخرى. أي أننا بين نارين".
وعلى اعتبار أن الحزن يرتبط بالانتهاكات وعمليات التعذيب والإخفاء القسري الذي تمارسه الحكومة الصينية بحق أكثر من مليون مسلم من الإيغور، فإن مشاعر القلق والخوف ناجمة عن التقارب الكبير الذي تشهده العلاقة بين بكين وأنقرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو فيما يخص صفقات اللقاحات، وصولا إلى اتفاقية "تسليم المجرمين" المتبادلة التي تتجه الأنظار عليها الآن.
ويقيم نحو 50 ألفا من الإيغور في تركيا، مما يشكل أكبر مجتمع للاجئين من الإيغور في العالم.
ويشير نشطاء الإيغور في الشتات إلى تحول كبير منذ 26 ديسمبر الماضي، عندما صادقت اللجنة الدائمة لمجلس الشعب الصيني على اتفاقية تسليم من وصفتهم الاتفاقية بـ "المجرمين" مع تركيا، والتي توصف بـ "المعاهدة الخطيرة".
في المقابل لم يناقش البرلمان التركي اتفاق التعاون في "تسليم المجرمين" بعد، لكن ذلك يوازيه شكوك ومخاوف داخل المجتمع الإيغوري في البلاد، من ترحيل وتسليم البعض منهم إلى بكين بموجب هذه المعاهدة، والتي رافق طرحها تقارير غربية تحدثت عن عمليات اعتقال ومداهمات نفذتها السلطات التركية في الأشهر الماضية، وطالت عددا من الشبان الإيغور، في عدة ولايات، على رأسها إسطنبول، بتهم "الإرهاب".
ولم تتضح تفاصيل التهم التي دفعت السلطات التركية لاتخاذ هذه الإجراءات، بينما اتجهت أحزاب من المعارضة التركية، مؤخرا للتحذير من المصادقة على الاتفاقية مع الصين، لاسيما أن قضية الإيغور في البلاد تعتبر "قضية وطنية".
ومن بين هذه الأحزاب "حزب المستقبل"، الذي يتزعمه رئيس الوزراء التركي الأسبق، أحمد داوود أوغلو.
"لعبة سياسية"على الرغم من حصوله على شهادة الحقوق من الجامعات التركية، فإن جيفلان لا يمكنه العمل كمحامٍ في تركيا، كونه لا يحمل الجنسية التركية حتى الآن، ومنذ وصوله إلى البلاد في عام 2008 حاول حل مشاكله القانونية المتعلقة بأوراقه الثبوتية، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق ذلك.
ومنذ سنوات ترفض القنصلية الصينية في إسطنبول تجديد وثائق الإيغور في تركيا أو منحهم جوازات سفر وأوراقا ثبوتية لإتمام معاملات الزواج والدخول في الجامعات، ويشير جيفلان إلى أنهم تلقوا عدة وعود بشأن ذلك، لكنها لم تصدق (القنصلية الصينية)، في ممارسات وصفها بـ "اللعبة السياسية".
وكونه محامٍ ويعي التفاصيل المتعلقة باتفاقية "تسليم المجرمين"، يوضح جيفلان أن الاتفاقية التي يدور الحديث عنها بين بكين وأنقرة "وضعتنا تحت توتر وقلق. كوني حقوق أفهم السياسات التي تدور حاليا".
ويتابع: "هذه ليست المرة الأولى التي توقّع فيها تركيا على هكذا نوع من الاتفاقيات، فهناك 30 دولة أخرى أيضا إلى جانبها، لكن الفرق يكمن بالهدف الذي يكمن ورائها".
وحسب الناشط الحقوقي الإيغوري، فإن الهدف الذي ترنو إليه بكين هو "المسلمون الإيغور".
ويشير: "من أجل توقيع هذه الاتفاقية من المفترض ألا يكون في الدولة الأخرى حكم الإعدام، ويجب ألا يكون هناك قوانين تجرح الأخلاق الإنسانية، وتنتهك حقوق الإنسان من خلال التعذيب".
ويرى حقوقيون أن اتفاقية "تسليم المجرمين" تميل إلى حد كبير لصالح الصين، حيث يتم تطبيق عقوبة الإعدام، وبالتالي فإن الآلاف من الإيغور قد يكونوا معرضين لخطر عقوبة الإعدام، إذا عادوا إلى الصين بموجب المعاهدة المذكورة.
وتتكون الاتفاقية من 22 مادة، وتلزم الدولة الموقعة بتسليم أي شخص مطلوب بتهمة ارتكاب نشاط إجرامي إلى الدولة الطالبة. وتنص الاتفاقية على أنه "لا يمكن الموافقة على التسليم إلا إذا كان السلوك المستهدف في طلب التسليم يشكل جريمة بموجب قوانين كلا البلدين".
"تركيا بقيت وحدها في هذا الملف"حاول موقع "الحرة" التواصل مع مصدر رسمي تركي للوقوف على المزاعم التي تتعلق بعمليات ترحيل لبعض الإيغور في الأشهر الماضية بغية تسليمهم إلى بكين، إلا أنه لم يتلق ردا.
في المقابل، اعتبر مصدر مقرب من الحكومة التركية أن الحديث الذي يتردد بشأن اتفاقية "تسليم المجرمين" مع الصين، وما تبعها من تقارير أفادت بعمليات اعتقال ومداهمات لمنازل الإيغور في تركيا هو "حديث عار عن الصحة".
ويقول كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي السابق، عمر فاروق قرقماز، إن "الإيغور لهم صفتين الأولى أنهم مسلمين إذا قضيتهم تشمل وتهم كل المسلمين عربا وأتراكا وعجما، والثانية هم أتراك وأصولهم تركية، وبالتالي تهتم تركيا لهذا الموضوع".
ويضيف قرقماز، في تصريحات لموقع "الحرة"، "تركيا بقيت وحدها في هذا الملف (الإيغور)، لذلك نحن ننتظر تعاونا عربيا تركيا وتعاونا تركيا إفريقيا، لأن هناك مصالح اقتصادية كبيرة للصين في المنطقة العربية والإفريقية. اللغة الصينية لا تفهم بلغة السياسة والضغط بل تفهم بلغة التجارة والاستثمارات".
ويتابع المستشار التركي السابق: "لا بد أن يكون هناك صوت تركي وعربي حول قضية الإيغور، لذلك أتصور إذا كان هناك موقف مشترك فإن الحكومة الصينية سوف تستمع إلى هذا الموقف".
وسبق وأن أعلن مساعد وزير الداخلية التركية، إسماعيل تشاتاكلي، أواخر العام الماضي أن المزاعم بشأن ترحيل تركيا 50 ألفا من أقلية الإيغور وإرسالهم إلى الصين "لا أساس لها من الصحة".
وقال تشاتاكلي، في تغريدة نشرها على حسابه في "تويتر"، إن "الادعاءات التي لفقها أحد قادة الأحزاب السياسية بشأن ترحيل تركيا لخمسين ألفا من أقلية الإيغور الأتراك إلى الصين، عارية عن الصحة"، مضيفا: "على أخوتنا الإيغور أن يبقوا مطمئنين، فهذا الادعاء هو مجرد وهم وهذيان".
من جانبه قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو إن المصادقة على اتفاقية "تسليم المجرمين" مع الصين لا تعني أن "تركيا سترحل إيغورا إلى الصين".
وأضاف في تصريحات للصحافيين في أنقرة، ديسمبر 2020: "حتى الآن، كان هناك طلبات من الصين لعودة (أشخاص) فيما يتصل بإيغور في تركيا. وكما تعلمون فإن تركيا لم تتخذ خطوات كهذه".
"محرقة كبيرة"ما تشهده أوساط المجتمع الإيغوري في تركيا من خوف وقلق حيال "اتفاقية تسليم المجرمين" دفع الآلاف منهم للهجرة إلى أوروبا، في العامين الماضيين، سواء بصورة رسمية لمن يملك أوراق ثبوتية وقانونية أو عبر طرق التهريب، عبورا بالبحر من اليونان.
تحدث موقع "الحرة" مع المدافع عن حقوق الإيغور، سييت تومتورك، ويقول إن "هناك اتفاقا بين تركيا والصين على إعادة المتهمين بالإرهاب. وهذا يمثل قلق حقيقي للتركستان الشرقيين".
ويضيف تومتورك الذي يرأس الجمعية الوطنية لتركستان الشرقية، وهي جماعة للدفاع عن حقوق الإيغور: "في الحقيقة وبالعودة إلى عام 2007 كان هناك عمليات ومداهمات في منتصف الليل لمنازل الإيغور، من دون التمييز بين رجال أو نساء، شيوخ أو أطفال فقد تم توقيفهم".
ونشرت تلك المعلومات في تلك الفترة في وسائل الإعلام، ويشير تومتورك إلى أن "هذه حوادث محزنة، لكن المحزن أكثر بأن نسبة 99 في المئة من المُوقفين تم توكيل محامين لهم، وبعد بدء العمل الحقوقي تم إطلاق سراحهم".
ويتابع المدافع عن حقوق الإيغور لموقع "الحرة": "ذلك يعني لو أن الموقوفين كان عندهم جرم لما تم إطلاق سراحهم، وإذا كانوا غير ذلك لما تم توقيفهم؟، وهو ما يضع إشارة استفهام حقيقية حول ذلك؟".
وخلال السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة هناك "بعض الآلاف من الإيغور" هربوا من تركيا إلى أوروبا، بسبب القلق الذي مصدره الخوف من إعادتهم إلى الصين.
ويوضح تومتورك قوله: "في 25 من شهر ديسمبر أصدر البرلمان الصيني إصلاحا دستوريا لوثيقة الاتفاق المشترك لمحاربة الإرهاب وإعادة المجرمين لتوقيعها من الرئيس الصيني، وقد طلب نفس الأمر من تركيا".
وأضاف "هذا ساهم في زيادة قلق الإيغور، نأمل ألا نعيش في تركيا فاجعة للمرة أخرى. مثل هذه الاتفاقية في الحقيقة للإيغور ما هي إلا محرقة كبيرة".
"نبحث عن عوائلنا"في رد لوكالة "رويترز"، فبراير 2021 قال متحدث باسم القنصلية الصينية في إسطنبول إن الإيغور الذين نظموا احتجاجات منتظمة بالقرب من المقر الدبلوماسي الصيني في تركيا في الأشهر الأخيرة و"كانوا يحاولون خداع الشعب التركي والإضرار بالعلاقات الثنائية".
وأضاف: "هدف هؤلاء الأشخاص بأكاذيبهم المختلقة هو مهاجمة سياسات الحكومة الصينية في شينجيانغ، وتشويه صورة الصين واستغلال المشاكل المتعلقة بشينجيانغ".
لكن عبد السلام وهو أحد المتظاهرين الإيغور قال: "نذهب إلى القنصلية للبحث عن الأم أو الأب ويأتينا الرد بأنهم متطرفين".
ويضيف عبد السلام في تصريحات لموقع "الحرة": "منذ أواخر عام 2019 ذهبنا مرارا إلى أبواب القنصلية، لكن لم نحصل على أي جواب عن عوائلنا المحتجزين تعسفيا".
"عريضة صينية"عبد السلام الذي فقد التواصل مع أمه وأبيه، منذ ثلاثة أعوام أشار إلى أنهم تلقوا عريضة غير رسمية من القنصلية الصينية منذ قرابة شهر، وجاء فيها: "إذا تركتم الأعلام التي ترفعونها وابتعدتم عن وصف تركستان الشرقية، وقطعتم علاقتكم بالمتطرفين من الممكن أن يخرج أحد المسؤولين للإجابة عليكم".
وتابع عبد السلام أن العريضة طلبت من المتظاهرين أيضا: "نشر تسجيل مصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي من قبل عشرات الإيغور يتحدثوا فيه أنهم لا يؤيدون وصف تركستان الشرقية، وينفون فيه الاتهامات الموجهة للحكومة الصينية".
ما سبق، أكده المحامي الإيغوري، جيفلان شير محمد، موضحا: "رفضنا هذه العريضة غير الرسمية، وسنستمر بالمظاهرات، لكننا توقفنا في الوقت الحالي بسبب إجراءات فيروس كورونا".
وأضاف جيفلان: "هناك أكثر من خمسة آلاف إيغوري في تركيا يبحثون عن عوائلهم. لن نتوقف حتى الإفراج عن أهلنا".
وتابع: "أنا كفرد من الإيغور أخاف شخصيا من اتفاقية تسليم المجرمين، لكنني أثق بالدولة التركية بأنها لن توقع على هذه الاتفاقية، ولا أثق أبدا بالصين"، معربا عن أمله بأن لا "تمر هذه الاتفاقية".
وهناك من يعتبر من المراقبين الأتراك أن تركيا تقف أمام خيارات صعبة في علاقتها مع الصين، فهي من جانب بحاجة إلى أكبر كمية ممكنة من لقاحات كورونا، والحفاظ على علاقاتها ومصالحها الاقتصادية معها.
ومن جهة أخرى فهي مضطرة للوقوف بجانب أتراك الإيغور، والذين يعتبرون بالنسبة لشريحة واسعة من الشعب التركي قضية وطنية يمكن أن تثير الشارع ضد الحكومة لو ثبت بالفعل أنها سلمت أفرادا منهم للصين.
وفي مطلع العام الحالي قال سفير تركيا لدى بكين، عبد القادر أمين أونن، إن أنقرة متجهة نحو مزيد من تعميق العلاقات مع الصين في كافة المجالات.
وأضاف أمين أونن، في تصريحات لوكالة الأناضول شبه الرسمية، أن العلاقات بين البلدين الكبيرين ستتجه نحو مزيد من التعاون على الصعيدين العالمي والإقليمي اعتبارا من العام الجاري.
وأشار إلى أن مرحلة تفشي فيروس كورونا كشفت عن أهمية التعاون والتضامن الدوليين، وضرورة إقامة مزيد من الاستثمارات في قطاعات البنية التحتية وعلى رأسها قطاع الصحة، وفتح قنوات التوريد وتعزيز مؤسسات الدولة بما يضمن لها أداءً فعالا وقويا.