الحوثيون... مشروع حرب لا مشروع دولة

لم يعد خافيًا على أحد أن جماعة الحوثي، ومنذ انقلابها على الدولة اليمنية، أدخلت اليمن في واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخها الحديث. فقد دمرت مؤسسات الدولة، وأشعلت حربًا طويلة أنهكت الإنسان اليمني، وحولت بلداً كان يطمح إلى التنمية والاستقرار إلى ساحة للصراع والفقر والجوع والانهيار الاقتصادي.

واليوم، ومع تصاعد التهديدات الحوثية باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية في المملكة العربية السعودية، جاء بيان قيادة القوات المشتركة للتحالف ليضع الأمور في نصابها، مؤكدًا أن هذا التصعيد ليس سوى محاولة للهروب من الأزمات الداخلية التي تعيشها الجماعة، وتصدير أزماتها إلى الخارج بعد أن ضاقت بها الساحة الداخلية.

فالواقع داخل مناطق سيطرة الحوثيين يتحدث عن نفسه. ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية، ومرتبات مئات الآلاف من موظفي الدولة ما تزال منقطعة منذ سنوات، والفقر والجوع والمرض ينهش حياة الأسر اليمنية، بينما تُستنزف الموارد العامة في تمويل الحرب وإدامة الصراع بدلاً من توجيهها لخدمة المواطنين.

ولم تقف المأساة عند الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى التضييق على الحريات، وإضعاف مؤسسات الدولة، وفرض واقع قائم على القوة والسلاح، الأمر الذي أدى إلى اتساع دائرة الرفض الشعبي في مختلف الأوساط اليمنية.

وفي هذا السياق، يكتسب النكف القبلي في مطارح الريان، الذي دعا إليه الشيخ حمد بن مدغم، أهمية كبيرة، كونه يعكس حجم الاحتقان الشعبي والقبلي تجاه ممارسات الجماعة. فاحتشاد القبائل من مختلف المحافظات يحمل رسالة واضحة مفادها أن حالة السخط لم تعد محصورة في فئة أو منطقة، بل أصبحت تعبيرًا عن رفض متزايد للواقع الذي تعيشه البلاد.

وليس من قبيل المصادفة أن يأتي هذا الحراك الشعبي والقبلي بالتزامن مع التصعيد الحوثي ضد السعودية. فعندما تتفاقم الأزمات الداخلية، وتزداد الضغوط الشعبية، تلجأ الجماعة إلى افتعال معارك خارجية، أملاً في تحويل الأنظار عن فشلها في إدارة المناطق التي تسيطر عليها، وعن مسؤوليتها المباشرة فيما آلت إليه الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

إن تحميل أطراف أخرى مسؤولية معاناة اليمنيين لم يعد يقنع أحدًا. فالجماعة تتحمل مسؤولية كبيرة عن استمرار الحرب، وتعطيل مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الأزمة، ورفض العديد من المبادرات التي كان من شأنها أن تخفف من معاناة المواطنين وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية.

لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن الحوثيين لم يقدموا مشروع دولة، بل مشروع صراع دائم. فالدولة تقوم على المؤسسات والقانون والتنمية والاقتصاد، بينما تقوم الجماعات المسلحة على التعبئة المستمرة، واستمرار المواجهات، وخلق الأزمات. ولذلك فإن السلام والاستقرار يمثلان تحديًا حقيقيًا لأي مشروع يعتمد على بقاء السلاح هو الوسيلة الأساسية لفرض النفوذ.

إن الشعب اليمني، الذي ذاق مرارة الفقر والجوع والمرض وانقطاع الرواتب وانهيار الخدمات، لم يعد يتطلع إلى شعارات الحرب، بل يتطلع إلى الخلاص من واقع الصراع، واستعادة دولته ومؤسساته، وبناء وطن يسوده الأمن والعدالة والتنمية. فاليمنيون يريدون مدارس لا متاريس، ومستشفيات لا خنادق، ورواتب تحفظ كرامتهم، لا خطابات تصعيدية تجر البلاد إلى مزيد من الدمار.

وأي محاولة لتصدير الأزمة إلى الخارج، أو إشعال مواجهة إقليمية جديدة، لن تمحو حقيقة باتت واضحة لليمنيين، وهي أن استمرار الحرب هو السبب الرئيس لاستمرار معاناتهم، وأن الخاسر الأول من أي تصعيد جديد سيكون المواطن اليمني الذي دفع أثمانًا باهظة طوال أكثر من عقد من الزمن.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى على الحروب، وأن الشعب اليمني يستحق دولة تحميه، لا جماعة تعيش على الصراع، وتستمد بقاءها من استمرار الأزمات، وتبحث كلما اشتدت عليها الضغوط الداخلية عن معركة جديدة للهروب من استحقاقات الداخل.