بين الخسائر العسكرية ورواية الانتصار.. إيران عالقة في مأزق التضليل الإعلامي
تسعى إيران إلى تصوير المرحلة الدبلوماسية الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، فيما تروج وسائل إعلام مقربة من دوائر صنع القرار في طهران لرواية تعتبر أن المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة عززت موقع الجمهورية الإسلامية إقليمياً رغم الخسائر العسكرية التي تكبدتها.
وفي وقت تتواصل فيه تداعيات المواجهة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، تكشف وسائل إعلام إيرانية مقربة من مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية عن رؤية سياسية تعتبر أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي تتجاوز إدارة الأزمات إلى السعي للتأثير في شكل النظام الإقليمي المقبل.
ووفقاً لتعليق مطول نشرته وكالة أنباء "نور" الحكومية الإيرانية، فإن طهران تنظر إلى التحركات الدبلوماسية الجارية باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وتقديم نفسها لاعباً رئيسياً قادراً على المساهمة في صياغة الترتيبات السياسية والأمنية للمنطقة، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن مصالحها في ملفات محددة مثل العقوبات أو المفاوضات النووية.
خسائر عسكرية كبيرة
واستشهد تقرير نشره منتدى الشرق الأوسط، بجولات وتحركات دبلوماسية لمسؤولين إيرانيين في قطر وباكستان وعدد من العواصم الإقليمية، مع الإشارة إلى زيارة مرتقبة لرئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إلى الصين، باعتبارها مؤشرات على انتقال طهران من موقع إدارة الأزمات إلى محاولة فرض أجندتها السياسية.
ويرى التقرير الذي أعده الصحفي ومدير التحرير السابق في إذاعة أوروبا الحرة، ماردو سوغوم، أن أهمية هذه الرواية تكمن في عكسها لتقييم القيادة الإيرانية للمواجهة الأخيرة مع واشنطن.
فبينما أقرت تقارير متعددة بتكبد إيران خسائر عسكرية كبيرة، تواصل وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة تقديم الحصيلة النهائية باعتبارها نجاحاً سياسياً ودبلوماسياً حافظ على القدرات الاستراتيجية للدولة وأجبر الولايات المتحدة على تقديم تنازلات.
وخلال مشاركته في مؤتمر إسلامي بالعاصمة الأذربيجانية باكو في 24 يونيو/حزيران 2026، تبنى قاليباف هذه الرواية، مؤكداً أن الحفاظ على الاستقلال والكرامة الوطنية يرتبط بالتمسك بالمبادئ الإسلامية والاعتماد على القدرات الذاتية.
وفي الملف النووي، رفضت طهران ما تصفه بمزاعم أمريكية حول قرب استئناف عمليات التفتيش الدولية في بعض المواقع المتضررة من الضربات العسكرية الأخيرة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه لا توجد خطط حالياً لإجراء عمليات تفتيش من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المنشآت التي تعرضت للهجمات الأمريكية والإسرائيلية، مضيفاً أن مثل هذه الإجراءات لا تستند إلى إطار أو بروتوكول قائم.
وتفسر بعض التحليلات هذا الموقف باعتباره محاولة إيرانية لكسب الوقت أو تأجيل أي ترتيبات رقابية جديدة، رغم تأكيد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي ثقته بإمكانية استئناف عمليات التفتيش داخل إيران.
حرب نفسية وإعلامية
في المقابل، تواصل وسائل الإعلام المرتبطة بالحرس الثوري مهاجمة الخطاب الأمريكي. فقد اعتبرت وكالة "فارس" تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جزءاً من حملة حرب نفسية وإعلامية تهدف إلى التأثير على الرأي العام وإدارة الانطباعات السياسية والاقتصادية أكثر من كونها تعكس نفوذاً فعلياً على الأرض.
وقالت الوكالة إن التصريحات الأمريكية المتكررة بشأن إغلاق مضيق هرمز والعقوبات والرقابة على الأموال الإيرانية وإرسال المفتشين الدوليين تتضمن رسائل متناقضة ومطالب متغيرة تهدف إلى إرباك المشهد الإعلامي وفرض رواية أمريكية مبكرة للأحداث.
وبحسب الوكالة، فإن واشنطن تحاول توسيع نطاق مطالبها خارج التفاهمات الأصلية، بينما تجد طهران نفسها مضطرة للرد المتواصل على هذه التصريحات، في معركة سياسية وإعلامية موازية للصراع الدبلوماسي المستمر بين الجانبين.
وذكر التقرير أن هذه السجالات المتبادلة عكست استمرار التنافس بين إيران والولايات المتحدة على صياغة رواية ما بعد المواجهة الأخيرة، في وقت تبدو فيه الملفات النووية والأمنية والإقليمية مرشحة للبقاء في صدارة التوترات خلال المرحلة المقبلة.