أعمق من التقديرات الرسمية.. الأرقام الحقيقية تكشف حجم الشلل في قلاع إيران الصناعية

كشفت بيانات إنتاج حديثة صادرة عن كبرى الشركات الصناعية الإيرانية أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الصراع الذي استمر 39 يوماً بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي أعمق بكثير من التقديرات المعلنة، رغم تأكيدات المسؤولين الإيرانيين المتكررة بأن المنشآت المتضررة تخضع لأعمال ترميم وأن النشاط الصناعي يتجه نحو التعافي.

ووفقاً لتقرير تحليلي نشره منتدى الشرق الأوسط وأعده الباحث المتخصص في شؤون الطاقة والاقتصاد الكلي الإيراني دالغا خاتين أوغلو، فإن أرقام الإنتاج الجديدة في قطاعات البتروكيماويات والصلب والسيارات تشير إلى اضطرابات واسعة في بعض أهم محركات الاقتصاد الإيراني.

وتبرز صناعة البتروكيماويات باعتبارها أكثر القطاعات تأثراً.

ووفق تقرير رسمي صادر عن شركة صناعات البتروكيماويات في الخليج العربي (PGPIC)، التي تمثل نحو 38% من إجمالي إنتاج البتروكيماويات في إيران، فإن ستة من أصل سبعة مجمعات رئيسية تعرضت للاستهداف خلال النزاع لم تنتج خلال شهري مارس وأبريل 2026 سوى 410 آلاف طن متري مجتمعة، وهو ما يعادل 13% فقط من حجم الإنتاج المسجل خلال الفترة نفسها من العام السابق.

ارتفاع أسعار منتجات البتروكيماويات

وامتد التراجع إلى شركات أخرى كبرى في القطاع. فقد سجلت شركة بارديس للبتروكيماويات، أكبر شركة بتروكيماوية مدرجة في بورصة طهران من حيث الطاقة الإنتاجية، انخفاضاً بلغ 93% في إنتاجها خلال الشهر الماضي، بينما توقفت عمليات شركة جام للبتروكيماويات، إحدى أكبر منتجي الأوليفينات في العالم بطاقة سنوية تصل إلى 2.8 مليون طن من البوليمرات والمنتجات الكيميائية، بصورة شبه كاملة وفق التقرير.

وتنعكس هذه التطورات على السوق المحلية، حيث ارتفعت أسعار المنتجات المصنعة من البوليمرات، خصوصاً مواد تغليف الأغذية والأدوية، عدة أضعاف خلال الأسابيع الأخيرة.

ويعد قطاع البتروكيماويات أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لإيران، إذ يحقق عادة نحو 14 مليار دولار سنوياً من عائدات التصدير.

تراجع إنتاج الحبوب 

وبدأت تظهر مؤشرات نقص في عدد من المنتجات البتروكيماوية داخل السوق الإيرانية، ما دفع السلطات إلى زيادة الواردات. 

ويبرز نقص الأسمدة الزراعية بين أكثر التحديات إلحاحاً، إذ ارتفعت أسعار العديد من أنواع الأسمدة بعد الحرب بما يتراوح بين ستة وسبعة أضعاف.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً متزايدة على قطاعها الزراعي. فالبلاد تستورد سنوياً حبوباً بقيمة تقارب 17 مليار دولار، بينما أفادت منظمة الأغذية والزراعة بأن إنتاج الحبوب المحلي تراجع بنحو الخمس خلال العام الماضي، ما رفع الاعتماد على واردات الحبوب إلى نحو 15 مليون طن.

وحذر التقرير من أن ارتفاع أسعار الأسمدة بالتزامن مع استمرار الجفاف قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في الإنتاج الزراعي خلال المواسم المقبلة.

تراجع إنتاج الصلب

وفي قطاع الصلب، أظهرت البيانات تراجعاً حاداً في الإنتاج بعد استهداف شركتي مباركة للصلب وخوزستان للصلب، اللتين تمثلان معاً نحو نصف إنتاج إيران من الصلب، حيث سجلت الأولى انخفاضاً بنسبة 67% خلال الشهر الماضي، و 76% بالنسبة للأخيرة.

وتأثرت شركات أخرى نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد، إذ تراجع إنتاج شركة أصفهان للصلب بنسبة 46% رغم أنها لم تكن ضمن المنشآت المستهدفة مباشرة.

ويحقق قطاع الصلب الإيراني عادة ما بين 4 و5 مليارات دولار من عائدات التصدير سنوياً، إلا أن تراجع الإنتاج أدى بالفعل إلى نقص في بعض منتجات الصلب داخل السوق المحلية وزاد الضغوط على الصناعات التحويلية المرتبطة به.

خسائر تصنيع السيارات 

أما صناعة السيارات، التي تعد من أكبر القطاعات الصناعية المشغلة للعمالة في البلاد، فقد سجلت بدورها خسائر كبيرة.

وأظهرت البيانات انخفاض إنتاج شركتي إيران خودرو وسايبا، أكبر شركتي سيارات في إيران، بنسبة 16% و58% على التوالي خلال الشهر الماضي.

وبلغ إجمالي إنتاج الشركتين نحو 57 ألف سيارة مقارنة بـ82 ألف سيارة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في وقت يعمل فيه أكثر من 110 آلاف شخص بشكل مباشر لدى الشركتين، إضافة إلى عشرات الآلاف في قطاعات تصنيع المكونات وسلاسل التوريد المرتبطة بهما.

 

انكماش الناتج المحلي

وفي 22 يونيو/حزيران 2026، أعلنت الولايات المتحدة منح إيران إعفاءً لمدة شهرين يسمح لها بمواصلة تصدير النفط. إلا أن التقرير يرى أن أي تخفيف للعقوبات أو رفعها مستقبلاً لن ينعكس سريعاً على سوق العمل أو معدلات التضخم أو مستويات المعيشة التي تواجه ضغوطاً متزايدة.

ويشير التقرير إلى أن الحرب فاقمت اختلالات هيكلية كانت موجودة بالفعل قبل اندلاعها، من بينها نقص الطاقة المزمن، وضعف الاستثمارات، والقيود المالية، وتراجع الطلب المحلي.

ووفق أحدث تقييم نشرته وكالة "إيكو إيران" الاقتصادية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 4.9% خلال الربع الشتوي الأخير عند احتساب قطاع النفط، وبنسبة 4% عند استبعاد إنتاج النفط.

وتخلص البيانات الصناعية الحديثة إلى أن تداعيات النزاع لا تقتصر على الأضرار المباشرة التي لحقت بالمنشآت المستهدفة، بقدر ما تمتد إلى تباطؤ صناعي أوسع نطاقاً قد يترك أثراً على النمو الاقتصادي والتوظيف والتضخم والأمن الغذائي لفترة طويلة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.