البيروقراطية الملتحية: كيف صادر "الإخوان" مفاصل القرار الإداري في تعز

في مدينة تعز التي لطالما تغنى أبناؤها بمدنيتها وعراقتها الثقافية، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة إدارية معقدة تجاوزت مفهوم التحالف السياسي نحو مربع الاستحواذ البيروقراطي الشامل، حيث تشير التقارير الميدانية والراصدون للقرار الإداري في المحافظة إلى وجود دولة موازية تديرها الغرف المغلقة لتنظيم الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) تحت لافتة الشرعية، وهو ما بات يُعرف محلياً بالبيروقراطية الملتحية التي تمكنت من السيطرة على العصب الحيوي للجهاز الإداري للدولة بعيداً عن ضجيج الجبهات وصخب العسكرة.


استراتيجية التمكين في مفاصل السلطة المحلية

لقد اعتمد تنظيم الإخوان في تعز على استراتيجية التغلغل الهادئ داخل الهياكل الإدارية عبر آلية التعيينات بالتكليف، وهي وسيلة قانونية مؤقتة حوّلها التنظيم إلى أداة دائمية لتمكين عناصره في مناصب مدراء العموم ووكلاء المحافظة، ورغم أن الأرقام المعلنة رسمياً قد تحاول إظهار نوع من المحاصصة، حيث تتوزع المناصب العليا بين المؤتمر الشعبي العام بنسبة 41% والإصلاح بنسبة 14% وفقاً  للإحصائيات، إلا أن الواقع الميداني يكشف أن مراكز القوة الفعلية والمكاتب التنفيذية الإيرادية والخدمية تقع تحت قبضة كادر تنظيمي يدين بالولاء للمقر قبل المحافظة.
هذا التمكين لم يكن عشوائياً، بل استهدف المؤسسات التي تمنح التنظيمةالاخواني قدرة على التحكم في الرأي العام والموارد، حيث يبرز قطاع التربية والتعليم كأحد أهم الميادين التي تعرضت لعملية "أخونة" واسعة، من خلال تغيير مدراء المدارس ورؤساء الأقسام في مكاتب التربية واستبدالهم بعناصر عقائدية، بهدف إعادة صياغة الوعي الجمعي للنشء بما يتوافق مع أدبيات التنظيم، وهو ما يصفه مراقبون بأنه "تخغيم للمستقبل" عبر تسييس التعليم.

المكاتب التنفيذية والسيطرة على القرار الإيرادي

بعيداً عن السيطرة العسكرية الواضحة في محور تعز، نجح التنظيم في بناء شبكة من المصالح الإدارية داخل المكاتب التنفيذية التي تدير الموارد المالية والخدمية، ويتم ذلك عبر تعيين شخصيات في مناصب "نواب" أو "سكرتارية" أو "مدراء إدارات" في المكاتب السيادية، حيث يتحكم هؤلاء بالدورة المستندية للقرار، مما يجعل أي مدير عام من خارج التنظيم مجرد واجهة بروتوكولية لا يملك سلطة حقيقية على الأرض.
وتشير المعلومات المستقاة من كواليس ديوان المحافظة إلى أن قرارات التعيين في المكاتب الإيرادية المهمة، مثل النقل والضرائب والواجبات، تمر عبر "فلترة" تنظيمية دقيقة تضمن وصول الموالين حصراً، وهو ما خلق حالة من "العزل البيروقراطي" للكوادر المستقلة أو المنتمية لأحزاب سياسية أخرى، ما أدى إلى ترهل إداري وضعف في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، حيث يُعطى الولاء التنظيمي الأولوية على معايير الكفاءة والنزاهة.

عسكرة الوظيفة العامة وشرعنة النفوذ الحزبي

الوجه الآخر لهذه البيروقراطية هو عسكرة الوظيفة العامة، حيث تم منح مئات الشخصيات التربوية والمدنية من أعضاء الحزب رتباً عسكرية رفيعة وتسوية أوضاعهم في كشوفات الجيش والأمن، ومن ثم إعادة توزيعهم في مناصب إدارية داخل أجهزة الأمن والشرطة العسكرية ومراكز الشرطة، هذا الدمج بين العسكري والمدني خلق طبقة من المسؤولين الأمنيين بذهنية حزبية ساهمت في تضييق الخناق على الحريات العامة وملاحقة الناشطين المعارضين لسياسات الحزب تحت مبررات أمنية.

ويرى محللون سياسيون أن هذا التغلغل الإداري وفر للحزب حماية قانونية لممارساته الميدانية، فالبيروقراطية التابعة له تعمل كحائط صد يمنع وصول المساءلة الرقابية لقياداته، كما أنها تسهل عملية الاستحواذ على المساعدات الإنسانية والمنح الدولية وتوجيهها لخدمة القواعد الشعبية للحزب، مما يعزز من قدرته على الحشد السياسي والانتخابي مستقبلاً مستغلاً موارد الدولة المتاحة.

تعز بين مطرقة التنظيم وسندان التهميش الإداري

إن النتيجة المباشرة لهذه "البيروقراطية الملتحية" هي تحويل تعز إلى كانتون مغلق يُدار بعقلية المركزية الحزبية، حيث تم استنزاف موارد المحافظة البشرية والمادية لصالح تقوية نفوذ التنظيم على حساب مشروع الدولة، ومع تزايد السخط الشعبي من تدهور الخدمات والانفلات الأمني الناتج عن صراع مراكز القوى، تبرز الحاجة الملحة لتحرير الإدارة العامة من التبعية الحزبية وإعادة تفعيل معايير قانون الخدمة المدنية كسبيل وحيد لاستعادة هيبة الدولة في الحالمة.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً حول قدرة السلطة الشرعية العليا على كبح جماح هذا التغول الإداري، وهل ستنجح الضغوط الشعبية والمطالب الحقوقية في تفكيك دولة المقر وإعادة تعز لجميع أبنائها بعيداً عن هيمنة اللون الواحد الذي صادر القرار وحوّل المكاتب الحكومية إلى زوايا تنظيمية مغلقة.