اليمن بين الفوضى والجريمة.. تصاعد العنف وانفلات الأمن
تحول المشهد اليمني في الآونة الأخيرة من ساحة صراع عسكري تقليدي إلى مسرح مفتوح لجرائم جنائية وأخلاقية غريبة عن طبيعة المجتمع. فخلال الأشهر الأخيرة من العام المنصرم وبداية شهر يناير لهذا العام سجلت معدلات الجريمة قفزات مرعبة تجاوزت الحدود المألوفة، حتى أصبح القتل، والاختطاف، والتنكيل بالمدنيين مشاهد يومية، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
مراقبون يرون أن هذا الارتفاع المخيف في منسوب العنف الجنائي ليس مجرد تصاعد عارض، بل نتيجة مباشرة لانهيار مؤسسات الدولة وتفكك الروابط الاجتماعية التي كانت تُعتبر صمام أمان تاريخي لليمنيين. حيث إن ما يحدث من زيادة في معدلات الجريمة في اليمن يعد بمثابة مرآة تعكس حالة التفكك والتدهور في بنية الدولة والمجتمع على حد سواء.
وهذا ما يؤكده مختصون في الشؤون الأمنية والاجتماعية أن غياب السلطة المركزية وتفشي ثقافة القوة قد حول السلاح من أداة للقتال في جبهات الحرب إلى أداة لفض النزاعات الشخصية وتصفية الحسابات.
وهذا الوضع يساهم في خلق بيئة خصبة لانتشار الجريمة التي كانت تعتبر من المحرمات في المجتمع اليمني.
تغول السلاح وسقوط الخطوط الحمراء
ولعل أحد أبرز العوامل التي تسهم في تغذية موجات الجريمة في اليمن هو انتشار الأسلحة بشكل غير مسبوق. ففي العديد من المناطق اليمنية تحولت الشوارع إلى مستودعات مفتوحة للأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
ناشطون في مجال حقوق الإنسان أكدوا أن السلاح أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وأصبح استخدامه أكثر سهولة من أي وقت مضى، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى وجود الدولة.
وأوضحوا أن تحول السلاح إلى أداة لتسوية الخلافات الشخصية فتح أبواب الجريمة على مصراعيها، وأدى إلى تحوّل المشاجرات البسيطة إلى حوادث دامية، وهو ما يعكس تدهورًا في الأعراف الاجتماعية التي كانت تحمي المدنيين وتمنع تدهور الوضع الأمني، مشيرين إلى أن سهولة الحصول على السلاح ووجوده بكثرة بين فئات عمرية مختلفة قد أدى إلى تحول اليمن إلى مجتمع يحمل فيه الجميع أدوات القوة الشخصية بدلاً من أن تكون هذه الأدوات قاصرة على المؤسسات الأمنية.
هذا التدهور في الأخلاقيات والممارسات المجتمعية أضاف عبئًا كبيرًا على معاناة الناس في المناطق التي تعاني من غياب الأمن والاستقرار.
غياب الوعي الإعلامي وصمت المنابر
تُعد وسائل الإعلام من أبرز الأدوات التي تُسهم في تشكيل وعي المجتمعات وحمايتها من الانزلاق إلى دوامة العنف والجريمة.
لكن ناشطين في المجال الإعلامي عبروا عن استيائهم من تحول كثير من وسائل الإعلام اليمنية إلى منصات تركز على النزاعات السياسية والعسكرية فقط، مما يغيب الدور الأساسي للإعلام في التوعية بالمخاطر الاجتماعية والجنائية، مشيرين إلى أن هذا الإغفال الإعلامي يجعل من الإعلام أداة لتحفيز الفوضى بدلاً من أن يكون وسيلة لنشر قيم التسامح وحماية المدنيين.
ومن خلال دراسة ميدانية أعدها عدد من المختصين في الإعلام، تم التوصل إلى أن غياب الوعي الإعلامي كان أحد العوامل الرئيسية في تصاعد الجريمة. فالبرامج الإعلامية التي تُبث اليوم غالبًا ما تركز على التحريض والصراع، بينما يندر أن تجد برامج تعزز من نشر الوعي الاجتماعي حول خطورة الجرائم وأثرها على المجتمعات.
انهيار المنظمات المدنية وتداعياتها
تُعتبر منظمات المجتمع المدني أحد الأعمدة الأساسية في بناء المجتمعات المستقرة، خاصة في الأوقات التي تواجه فيها المجتمعات تحديات ضخمة مثل الحروب والنزاعات.
ولكن، كما يؤكد عاملون في مجال حقوق الإنسان، فإن هذه المنظمات تعيش في ظروف معقدة في اليمن، خاصة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي حيث تعرضت لتحديات كبيرة وتقييد حركتها أو إغلاقها في العديد من الأحيان.
هذا الوضع كان له تأثير كبير على قدرة الأسر اليمنية على الحصول على الدعم النفسي والإرشاد الأسري، وهو ما يزيد من معدل العنف الأسري والجرائم الداخلية.
يشير مراقبون إلى أن تزايد العنف الأسري، بما في ذلك ظاهرة قتل الأقارب، يعكس حجم الضياع النفسي الذي يعاني منه المجتمع. هذا التدهور في الوضع النفسي للأفراد والمجتمعات يعود بشكل أساسي إلى غياب الدعم الكافي من المنظمات المدنية التي كانت تقدم برامج توعية ودعماً نفسياً للأسر.
اختلال النظام الأمني والقانوني
من أكبر التحديات التي تواجه اليمن اليوم هو اختلال النظام الأمني والقانوني. فقد أشار مختصون في الشؤون الأمنية إلى أن المؤسسات الأمنية في اليمن تعاني من اختلالات كبيرة، حيث تم استبدال الكوادر المؤهلة بعناصر غير محترفة تفتقر إلى الخبرة والمعرفة في التعامل مع القضايا الجنائية. مراكز الشرطة والنيابات العامة، التي من المفترض أن تكون أدوات للعدالة، أصبحت في العديد من الحالات أدوات للابتزاز والمساومة.
محامون وناشطون في المجال القانوني يؤكدون أن غياب مبدأ الردع والعقاب العادل ساهم في انتشار الجريمة، حيث أصبح الجاني يدرك أن الإفلات من العقاب أمر ممكن.
ويرون أن هذا الوضع يعكس ضعف السلطة القضائية وانعدام الحماية القانونية للمواطنين، مما يؤدي إلى تصاعد جرائم العنف.
تأثير النزاع على الشباب والعنف المترسخ
إن سنوات من النزاع المسلح في اليمن كانت لها آثار نفسية واجتماعية مدمرة على الشباب اليمني. فقد تم استقطاب العديد من الشباب والمراهقين إلى جبهات القتال، وزُجّ بهم في صراعات دموية قبل أن ينضج وعيهم بشكل كامل. وهو ما اشار اليه مختصون في علم النفس الاجتماعي إلى أن هؤلاء الشباب عادوا إلى مجتمعاتهم محملين بصدمات نفسية عميقة ونزعات عدوانية غير منضبطة. يؤكد ذلك أن هذا التراكم العاطفي والعسكري جعل من الجريمة امتدادًا طبيعيًا لما تعلموه في جبهات القتال، وأن هذا الشحن العاطفي والعسكري لم يقتصر فقط على الجوانب النفسية، بل كان له تأثير بالغ على الثقافة الاجتماعية، حيث تم تمجيد العنف وتقليل قيمة الحياة الإنسانية.
مرآة الانهيار وصرخة استعادة الهوية
ما يشهده اليمن اليوم من انفجار في معدلات الجريمة ليس مجرد عرض عابر للأزمة، بل هو زلزال يضرب أسس الهوية والضمير الاجتماعي، ويدق ناقوس الخطر من أن استمرار هذا النزيف الأخلاقي والجنائي ينذر بضياع أجيال كاملة في دوامة العنف التي لا تنتهي، ويعرض المجتمع لخطر التفكك.
كما أن استعادة الأمن في اليمن لا تبدأ فقط من فوهات البنادق، بل من إعادة تفعيل أيضاً لمؤسسات القضاء المستقلة، وتفعيل دور الإعلام الاسري والاجتماعي الهادف مع إتاحة المجال لمنظمات المجتمع المدني لترميم ما دمرته الحروب والصراعات في الوجدان الإنساني، مع ضرورة تضافر الجهود المحلية والدولية للحد من تفشي العنف، فدماء الضحايا الأبرياء والصرخات المكتومة هي النداء الأخير لاستدراك ما تبقى من وطن يوشك أن يبتلعه ثقب الجريمة الأسود.
في ظل هذه الأوضاع، يبقى الأمل في أن تتوحد الجهود لاستعادة ما تبقى من قيم الأخلاق والعدالة في اليمن.