محمد عايش: رسالة الإرهاب الجديدة وراء تفجير مسجد "الفيض الحاتمي" بالعاصمة اليمنية

المحرر: الصحفي والكاتب محمد عايش، رئيس تحرير صحيفة "الأولى" اليومية.
المقال (بالقضية المتضمنة) بالتزامن مع صفحة الكاتب في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك - الأربعاء 29 يوليو/ تموز 2015.

استهداف مسجد "الفيض الحاتمي" في صنعاء بعملية إرهابية اليوم، رسالة جديدة من الإرهاب بكون "اليمن" هدفاً مفتوحاً للقتل على أساس الهوية، وبشكلٍ يستهدف أن لا يبقي في هذا البلد مجتمعاً قادرا على الحياة، وليس مجتمعاً متعايشاً فحسب.

لايكاد معظم العالم يعرف أن في اليمن أقلية إسماعيلية، ولن يعرف كثيرون ذلك إلا من العملية الإرهابية هذه، والتي تأتي في سياق سلسلة من أعمال الإرهاب تقوم على فكرة "جزرنة" المجتمع عبر استهدافه بالقتل.

إنها تستهدف مساجد في صنعاء ثم تدعي أنها مساجد "حوثية" مع أن المساجد في صنعاء وكل اليمن لا تحمل أية هوية مغلقة، فأي مسجد هنا يصلي فيه كل الناس على اختلاف مذاهبهم (وليس كما هو قائم في العراق وغيرها مثلا من وجود مساجد معروفة للسنة و"حسينيات" للشيعة).

ولذلك وحين عجز الإرهاب عن تحويل مجتمع صنعاء بعملياته هذه إلى "جزر" طائفية متناثرة، وحين عجز عن إقناع أحد (باستثناء السعودية وإعلامها) بأنه بتفجيره للمساجد يستهدف جماعة " طائفية هي "الحوثيون"؛ ذهب اليوم يستهدف المسجد، أو المصلى أو المجمع الديني، الوحيد في صنعاء المحسوب على أصغر طائفة دينية إسلامية في اليمن، والتي يكفرها فكر داعش كما يكفرها كثير من متطرفي المذاهب الدينية الأخرى.

الاسماعيليون في اليمن، الجماعة الدينية الأكثر سلمية، والأكثر مدنية، والأكثر بعدا حتى عن الصراعات السياسية.

استهداف الجماعة يعني أن الجماعات الأخرى في الطريق: الصوفية مثلا والتي بدأ الإرهاب باستعدافها بالفعل، حيث فجرت قبابٌ في حضرموت، واغتيل أئمة مساجد صوفية هناك أيضا.

اليمن، بالمناسبة، قابل بكل مكوناته ليكون هدفاً أمثل للإرهاب: إذا لم تكن حوثيا فستُقتل لأنك اسماعيلي، وإن لم تكن إسماعيليا فستُقتل لأنك صوفي، وإن لم تكن صوفياً فستُقتل لأنك اشتراكي ملحد، وإن لم تكن أيا من ذلك فستُقتل لمجرد صدفة مرورك بجانب أيٍ منهم خلال استهدافه بسيارة مفخخة كما حدث اليوم.
**
الدرس الأساسي في العملية الإرهابية ضد الاسماعيليين هو التالي:
مايجب أن يفهمه الحوثيون، خصوصا في صنعاء، أن أمنهم الخاص هو جزء من الأمن العام، وأن جهودهم الأمنية الواضحة حتى الآن تركز على أمنهم "الخاص"، عبر تشديد الإجراءات الأمنية بشكل أكبر في المناطق التي ينتشر فيها سكان أكثر من جماعتهم أو حول المساجد والمنشآت المحسوبة عليهم (مع أن المساجد في اليمن لا فرز فيها)..

قد يكون ذلك مبررا بالنظر إلى أن الجماعات الإرهابية تضع جماعتهم كهدف رئيس للعمليات، ولكنه مبرر على مستوى السطح، أما على مستوى العمق، فإنه لاقيمة لأية احترازات أمنية جزئية مالم تكن ضمن الأمن العام للمواطنين ككل.

هذا أولاً وثانياً أنتم من تصديتم لتحمل المسألة الأمنية، ومن المعيب واللاوطني ولا أخلاقي أن ينصب جهدكم على حماية أنفسكم فقط، أو أن يدفعكم "الإرهاب" وعملياته الإجرامية إلى الزاوية الضيقة التي لا تعودون تنظرون لأمن البلاد إلا عبرها.

رغم كل جهودكم الأمنية، ورغم كل الإعلانات التي تكررت مؤخرا عن إحباطكم لعمليات إرهابية قبل وقوعها؛ إلا أن الملاحظ لكل الناس أن العاصمة مثلا تعيش حالة فوضى أمنية غير مسبوقة:
- المسلحون يتجولون في كل الشوارع والأحياء جماعات وفرادى (وبينهم مجاميعكم التي يمكن لأي مسلحين أن يدعوا أنهم منها ببساطة).
- السيارت غير المرقمة، تنتشر في صنعاء كأن صنعاء معبر أو خمر!! نتيجة تعطيلكم طبعا لدور المرور الذي لم تعد لديه من مهمة غير تنظيم السير في الجولات دون أية سلطة (لم يعد الشرطي حتى قادرا على منح مخالفة مرورية).
- الدراجات النارية التي خاضت الحكومات السابقة معارك لتنظيم عملها، بعد استغلالها في كثير عمليات إجرامية؛ جئتم أنتم وأطلقتم لها كامل الحرية.
- الجهاز الأمني الحكومي بات شبه معطل إلا من المهمات التي توكلونها إليه، وإلا من الأولويات التي تضعونها له، من وزارة الداخلية حتى أصغر قسم شرطة.
- مكاتب مشرفيكم الأمنيين باتت سلطة موازية لسلطات الجهاز الأمني، على بدائية أدواتها وعدم امتلاكها أية بنية معلوماتية أو تقانة حديثة ولو بالحد الأدنى الذي كان قائما لدى الجهاز الحكومي.

الوضع الأمني في العاصمة، لكل ذلك وغيره، خطير جدا، ولا يغرنكم السكون الخادع والذي يظهر أن كل الأمور مستتبة وآمنة بينما هي على العكس تماما..
وأنتم المسؤولون، وليتكم تعرفون ما الذي تجنونه على أنفسكم وعلى اليمنيين بتعطيلكم لكل مؤسسات الأمن بدلا من تفعيلها وإصلاحها مادام تعتبرونها فاسدة، وهي كانت كذلك بالفعل، ولكن استبدالها بأذرع من مليشياتكم لن يقود إلا إلى المزيد من تدمير ماتبقى من دولة، عدا عن نسف أمن المجتمع برمته طبقا للطريقة التي يعمل بها عقلكم الأمني هذه الفترة.
لن تأمنوا مالم يكن المجتمع كله آمناً، هذه قاعدة لا تحتاج لكثير جدل.
نعم لأمن "الوطن" لا لأمن "الجماعة".

صفحة الكاتب على فيسبوك