تعدد الجبهات في اليمن.. هل يعيد رسم المعادلة العسكرية في تعز والساحل الغربي؟
مع تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية ومليشيات الحوثي، في عدد من الجبهات اليمنية، تبرز جبهة غرب تعز والساحل الغربي باعتبارها واحدة من أكثر المحاور حساسية في المشهد العسكري الراهن، في ظل مواجهات متجددة حول البرح ومقبنة، بالتزامن مع استمرار التوتر على امتداد الساحل الغربي.
وتطرح التطورات الميدانية سؤالًا يتجاوز حدود المعركة في محور واحد: هل يمكن أن يؤدي تحريك جبهات أخرى بالتوازي إلى زيادة الضغط على مليشيات الحوثي، ومنعها من إعادة توزيع قواتها وتركيز مواردها في مناطق الاشتباك؟
البرح ومقبنة.. محور ذو أهمية ميدانية
تشهد منطقة البرح في مديرية مقبنة غربي محافظة تعز مواجهات متجددة بين القوات الحكومية والقوات المشتركة من جهة، ومليشيا الحوثي من جهة أخرى. وكانت تقارير محلية قد تحدثت خلال الأسابيع الماضية عن معارك في مواقع جبلية بالمنطقة، وسط حديث عن خسائر في صفوف مليشيا الحوثي.
وتكتسب مقبنة أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي غرب تعز واتصالها بالمحاور المؤدية إلى الساحل الغربي، فيما تمثل البرح إحدى النقاط ذات الأهمية في شبكة الطرق والممرات التي تربط مناطق تعز بالساحل.
وتشير تقارير إلى أن جبهة مقبنة تُعد من المحاور المهمة في غرب تعز، وأن السيطرة على مواقع فيها يمكن أن تؤثر في طبيعة خطوط التماس والاتصال بين جبهات المحافظة والساحل الغربي.
ضغط متعدد المحاور
ويرى مراقبون، أن تركيز العمليات في محور واحد لفترة طويلة قد يمنح الطرف الآخر مساحة لإعادة ترتيب قواته وتعزيز مواقعه، خصوصًا في حرب طويلة الأمد تتعدد فيها خطوط التماس.
ومن هذه الزاوية، فإن تحريك أكثر من جبهة بصورة متزامنة لا يعني بالضرورة فتح معارك واسعة في كل المناطق، وإنما يمكن أن يشكل وسيلة لتوزيع الضغط العسكري ومنع مليشيا الحوثي من حشد كامل إمكاناتها في محور واحد.
وتأتي هذه الرؤية في وقت شهدت فيه الساحة اليمنية خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا في أكثر من منطقة، إذ أفادت تقارير بوقوع مواجهات وقصف متبادل في تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع تطورات عسكرية في مأرب والضالع ومناطق أخرى.
ماذا يعني تحرير مقبنة والبرح؟
في حال تمكنت القوات الحكومية من تحقيق تقدم واسع في مقبنة والبرح، فإن ذلك قد يغير طبيعة المشهد العسكري غربي تعز، خصوصًا في ظل الموقع الجغرافي للمنطقة وصلتها بمحاور جبل حبشي وشرعب والساحل.
ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول شامل وفوري، إذ تبقى النتائج مرتبطة بمدى قدرة القوات على تثبيت المواقع التي تتقدم إليها، وتأمين خطوط الإمداد، والتعامل مع طبيعة التضاريس والتحصينات والألغام، وهي عوامل لطالما جعلت جبهات تعز من أكثر ميادين الحرب تعقيدًا.
كما أن أهمية المنطقة لا تنحصر في بعدها المحلي؛ فالساحل الغربي يرتبط بميناء المخا وبممرات بحرية حيوية في البحر الأحمر وباب المندب، ما يمنح أي تطور عسكري في غرب تعز والساحل أبعادًا تتجاوز حدود المحافظة.
الساحل الغربي في قلب التصعيد
وتزامن الحديث عن معارك البرح ومقبنة مع تصعيد حوثي طال مدينة وميناء المخا، في وقت شهد فيه باب المندب أيضًا تطورات أمنية خطيرة استهدفت سفينة تجارية، وفق تقارير حديثة.
وتعكس هذه التطورات ترابط الجبهة البرية مع الوضع الأمني في الساحل، خصوصًا أن المخا تقع ضمن منطقة ذات أهمية استراتيجية لحركة التجارة والملاحة الدولية.
كما أفادت تقارير حديثة بوقوع ضربات حوثية استهدفت المخا، في حين أعلنت القوات الحكومية اعتراض عدد من الطائرات المسيّرة التابعة لمليشيات الحوثي، في مؤشر على استمرار التوتر على الساحل الغربي.
التحدي
المعضلة الأساسية لا تتمثل فقط في تحقيق تقدم عسكري في منطقة محددة، وإنما في القدرة على تحويل أي مكاسب ميدانية إلى واقع مستقر ومستدام. فالتجارب السابقة في الحرب اليمنية أظهرت أن التقدم في جبهة واحدة قد يفقد جزءًا من تأثيره إذا تمكن الطرف المقابل من نقل قواته من محاور أخرى وإعادة بناء خطوط دفاعية جديدة.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق بين مختلف التشكيلات والقوى الحكومية، وتوحيد الرؤية السياسية والعسكرية، بما يحول دون تحول الجبهات إلى مساحات منفصلة تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
هل تتحرك بقية الجبهات؟
ومع استمرار القتال في غرب تعز والساحل الغربي، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت التطورات الحالية ستقود إلى تحرك أوسع في بقية خطوط التماس، أم ستظل العمليات مركزة في محاور محددة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المشهد اليمني يشهد بالفعل عودة تدريجية للتصعيد في عدة مناطق، بعدما حذّر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من مخاطر العودة إلى صراع واسع، داعيًا إلى ضبط النفس وتجنب مزيد من التصعيد.
وبينما يركز المقاتلون على التطورات الميدانية في البرح ومقبنة، فإن أي تحول حقيقي في ميزان القوى سيعتمد على قدرة القوات الحكومية على إدارة المعركة باعتبارها مشهدًا وطنيًا مترابطًا، وليس مجرد سلسلة من المواجهات المنفصلة.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يحدث في البرح ومقبنة؟ بل: هل يمكن أن تتحول هذه الجبهة إلى جزء من تحرك أوسع يعيد تشكيل خريطة الصراع في تعز والساحل الغربي؟.