من قصف النازحين إلى عسكرة الإغاثة.. الحوثي يدفع الأزمة الإنسانية في اليمن نحو أفق أكثر قتامة

تدخل الأزمة الإنسانية في اليمن طوراً جديداً هو الأشد قتامة وخطورة منذ ما يزيد على العقد، حيث تتشابك نذر التصعيد العسكري العنيف على مختلف جبهات القتال مع انسحاب شبه كامل للمنظمات الإغاثية الدولية من الميدان، مما يضع ملايين المدنيين العزل في مواجهة مباشرة مع خطر الموت والإنهاك التام. 

ولا يأتي هذا التدهور المتسارع بمعزل عن السياسات الميدانية؛ بل يتزامن طردياً مع اتخاذ ميليشيا الحوثي حزمة من الإجراءات الممنهجة والقيود التعسفية الرامية إلى تجفيف منابع العمل الإنساني المستقل، وإعادة توجيه تدفقات المساعدات الشحيحة لخدمة مجهودها الحربي وتمويل مقاتليها في خطوط التماس.

وامتدت آثار هذه البيئة الطاردة للعمل الإغاثي وعسكرة الاحتياجات الحياتية لتضرب الفئات الأشد ضعفاً وهشاشة في المجتمع، لترتفع في الآونة الأخيرة تحذيرات أممية ومحلية متطابقة من انفجار "تسونامي نزوح جماعي خامس" يعصف بمن تبقى من سكان مناطق المواجهات، ويدفعهم نحو العراء بلا مأوى ولا غطاء طبي أو غذائي يحميهم من مجاعة محققة باتت تلوح في الأفق كأثر مباشر لغياب التدخلات الإنسانية العاجلة.

استراتيجية التهجير القسري المتجدد

وعلى وقع هذا الانسداد، عادت الماكينة العسكرية لميليشيا الحوثي لتعصف بكل آمال الاستقرار الهش وتستهدف بشكل مباشر البنية الاجتماعية الهشة أصلاً في محافظات مأرب والحديدة وتعز والساحل الغربي.

وتكشف المؤشرات الميدانية الصادرة عن مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة عن توقعات قوية بقفزات حادة في أعداد الأسر، الفارة من خطوط التماس جراء الكثافة غير المسبوقة للقصف المدفعي والصاروخي واستخدام الطائرات المسيرة المفخخة.

غير أن الأخطر في موجة التصعيد الأخيرة يكمن في تحول مخيمات النازحين القائمة بالفعل، والتي كانت تُعد الملاذ الآمن الأخير للمدنيين، إلى أهداف عسكرية مشروعة ومباشرة للميليشيا الإرهابية؛ حيث أفادت مصادر حقوقية وميدانية بأن قصفاً حوثياً طال تجمعات سكنية مؤقتة ومخيمات إيواء في ضواحي مأرب والحديدة والمخا، مما تسبب بسقوط ضحايا مدنيين وأجبر آلاف الأسر على الخروج في رحلة فرار قسري ثانية وثالثة تفتقر لأبسط مقومات الحياة كالمياه الصالحة للشرب والخيام، في وقت باتت فيه المحافظات المضيفة عاجزة تماماً عن استيعاب أي ضغوط ديموغرافية جديدة نتيجة الانهيار شبه الكامل الذي يعاني منه قطاع الخدمات العامة والبنية التحتية المحلية جراء الحصار الطويل والتصعيد المستمر.

 

سلاح التجويع الممنهج

هذه الحرب العسكرية المباشرة على مخيمات النازحين تُوازيها حرب أخرى لا تقل ضراوة وتستهدف لقمة عيش المواطن اليمني وقوته اليومي كأداة للإخضاع السياسي والفكري؛ وهو ما وثقه تقرير حديث صادر عن "مؤسسة تمكين المرأة اليمنية" تحت عنوان "الحصار الداخلي.. سياسات ميليشيا الحوثي في إفقار اليمنيين وإخضاعهم"، حيث استعرض التقرير الاستراتيجية الحوثية الممنهجة في تعميق أزمة الجوع عبر فرض جبايات مالية باهظة وغير قانونية على حركة السلع وبضائع التجار واستحداث منافذ جمركية بين المحافظات، إلى جانب احتكار المشتقات النفطية والتحكم بأسعارها لتوليد أزمات معيشية خانقة تدفع بالأسرة اليمنية نحو حافة الفقر المدقع. 

وتهدف هذه السياسة بشكل مرسوم إلى تجفيف القدرة الشرائية للمجتمع وسلب المواطنين استقلاليتهم المعيشية، مما يسهل على الميليشيا لاحقاً مقايضة البقاء على قيد الحياة والحصول على حصص تموينية بالالتحاق بجبهات القتال، والزج بشريحة الشباب المعوزين والأطفال لتعويض النزيف البشري الهائل في صفوف مقاتلي المليشيا على الجبهات المشتعلة.

 قرصنة المساعدات الأممية

وفي المقابل، فإن المساعدات الدولية التي كان من المفترض أن تخفف من وطأة هذا الإفقار الممنهج تعرضت لعسكرة كاملة وبسط نفوذ بقوة السلاح من قبل ما يسمى بـ"مجلس الشؤون الإنسانية" الحوثي (سكمشا)، حيث تؤكد البيانات الميدانية والشهادات الحية أن الميليشيا وضعت يدها بالكامل على قوائم المستهدفين والمستفيدين من الشحنات الإغاثية والطبية، وعمدت إلى شطب أسماء العائلات والمواطنين الأشد فقراً واستبدالهم بعائلات مقاتليها والموالين لها على أساس عقائدي وسلالي. 

ولم يتوقف الأمر عند التلاعب باللوائح، بل امتد ليشمل مداهمة مستودعات ومخازن المنظمات الدولية ومصادرة الحصص الغذائية والأدوية الحيوية وتوجيهها مباشرة لدعم خطوط الإمداد العسكري والمجهود الحربي للحوثيين، في وقت يُحرم فيه ملايين الأطفال والنساء في مناطق سيطرتهم من جرعات الحليب العلاجي والمكملات الغذائية المنقذة للحياة، مما جعل العمل الإنساني والخيري في تلك المناطق تحت التهديد والابتزاز المستمر، ومجرداً من أي هامش للحيادية أو الاستقلالية.

قمع الكوادر الإغاثية

هذا التغول والانتهاك الصارخ للقوانين الدولية لم يقتصر على مصادرة المواد الإغاثية، بل تطور إلى حملة قمع وحشية واستهداف مباشر للأطقم والكوادر العاملة في الميدان؛ حيث كشفت تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن حملة اختطافات تعسفية واسعة وإخفاء قسري طالت العشرات من موظفي الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والوكالات غير الحكومية الشريكة في صنعاء ومناطق سيطرة الميليشيا. 

هذا التهديد الأمني الوجودي والمباشر لحياة الأفراد والعاملين تسبب في شلل تام لعمليات إنقاذ الأرواح في الميدان، ودفع بالعديد من الوكالات الأممية والمنظمات الدولية الإنسانية إلى تعليق برامجها الإغاثية وسحب طواقمها وموظفيها الأجانب، وإعادة مراجعة خططها وأولوياتها لحماية أفرادها من بطش وعنجهية الميليشيا، مما تسبب بحدوث فراغ إغاثي وإنساني هائل وانسحاب شبه كامل لهذه المنظمات من الميدان، وترك ملايين اليمنيّين يواجهون مصيرهم المأساوي بمفردهم دون غطاء إغاثي أو طبي يحميهم من الأوبئة والمجاعة.

مؤشرات الانهيار الشامل وعجز التمويل الدولي

وتتجلى التداعيات الكارثية لهذا المشهد المركب والمأساوي في الأرقام الصادمة والأخيرة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، والتي تظهر تفاقماً قياسياً في مؤشرات المعاناة الإنسانية باليمن؛ إذ يواجه اليوم أكثر من 18 مليون يمني خطر الجوع الحاد وانعدام الأمن الغذائي، في حين يعاني ما يقرب من 3 ملايين طفل دون سن الخامسة إلى جانب الأمهات الحوامل والمرضعات من سوء التغذية الحاد والوخيم الذي يهدد، حياتهم بالوفاة المباشرة نتيجة غياب المغذيات العلاجية. ويتزامن هذا التدهور الغذائي مع شلل تام واحتضار للقطاع الصحي الذي بات يعمل فيه مرفق طبي واحد فقط من بين كل خمسة مرافق لتقديم خدمات رعاية الأمومة والطفولة الأساسية، وسط انتشار وبائي متسارع لأمراض الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال في ظل غياب شبه تام للقاحات والمستلزمات الطبية العاجلة، ناهيك عن العجز التمويلي التاريخي وغير المسبوق الذي تواجهه خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة الخاصة باليمن والتي لم تتلق سوى نسبة ضئيلة جداً وشحيحة من إجمالي التمويل الدولي المطلوب لتغطية هذه الاحتياجات الهائلة.

 

الانتقال من الإدانة الدبلوماسية إلى الردع الدولي

وأمام هذه الحقائق الدامية، يرى الخبراء والمراقبون الحقوقيون أن استمرار المجتمع الدولي في انتهاج سياسة التنديد الدبلوماسي العقيم وإبداء القلق تجاه الانتهاكات الحوثية المستمرة، وفي مقدمتها الاستهداف الإجرامي لمخيمات إيواء النازحين وعسكرة المساعدات، يعد جريمة مباشرة بحق الشعب اليمني ويُسرع من وتيرة السقوط في قاع المجاعة الشاملة. 

إن هذا الوضع الكارثي يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً يتجاوز لغة البيانات والصمت نحو التطبيق الفعلي والملموس لتصنيف ميليشيا الحوثي كمنظمة إرهابية عالمية، وتحريك ملفات ملاحقة قياداتها أمام المحاكم الجنائية الدولية كمجرمي حرب ارتكبوا فظائع ضد الإنسانية؛ مع ضرورة صياغة مقاربة دولية جديدة تفرض آليات رقابة ميدانية صارمة ومستقلة تضمن وصول المساعدات لمستحقيها الفعليين، والضغط الحقيقي والفعال لوقف حملات الاختطافات الممنهجة ضد الطواقم الإنسانية وحماية مخيمات النازحين من آلة القصف الحوثية، لتفادي وقوع واحدة من أكبر الكوارث البشرية المعاصرة التي صنعها الإنسان في التاريخ الحديث.