المجلس الرئاسي بين طفرة التعيينات وغياب الإصلاحات
تمر الأوطان في منعطفاتها التاريخية الكبرى بحالات من المخاض السياسي المعقد، حيث تتداخل التكتيكات الآنية بالاستراتيجيات المصيرية، ويصبح الفارق بينهما هو الخيط الرفيع بين النجاة والغرق.
وفي المشهد اليمني الراهن، تتبدى معضلة حكم حقيقية تضع السلطة العليا أمام استحقاقات مصيرية، إذ يتوالى صدور المراسيم الرئاسية المعنية بضخ دماء جديدة في شرايين الإدارة العليا والسلك الدبلوماسي، في خطوة تقرأها الدوائر الرسمية كترتيب لبيت الحكم، بينما يراها الشارع المنهك مجرد دوران في حلقة مفرغة من إعادة تموضع النخب.
وهنا يبرز السؤال الوجودي الحصيف: هل تملك هذه الوجوه القادمة تفويضاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن التعيين غدا غاية في ذاته بغير أفق أو امتداد؟
إن العمق التحليلي لهذا المشهد يكشف عن اختلال بنيوي في ترتيب الأولويات؛ فالإفراط في ملء المقاعد والمناصب دون هندسة مسار موازٍ للإصلاح الهيكلي الشامل، يماثل تماماً الاستغراق في تزيين واجهة صرح تتداعى أساساته من الداخل.
إن اللحظة الحرجة التي يمر بها الوطن لا تحتمل ترف المحاصصة السياسية أو ترضية مراكز القوى، بل تفتقر بمرارة إلى حزمة قرارات سيادية شجاعة قادرة على كبح جماح التدهور الاقتصادي، ولجم غول الفساد، وتجفيف قنوات الهدر المالي التي تستنزف الخزينة العامة بين الداخل وعواصم الشتات.
وتتجلى هذه الفجوة الفلسفية بين التخطيط والواقع عند إخضاع المرحلة الراهنة الممتدة منذ تشكيل الحكومة الجديدة لعين الفحص والتقييم.
فماذا عسانا أن نجد في كشف حساب الشهور الماضية مما ينعكس عافيةً على الأرض والإنسان في المحافظات المحررة؟ الإجابة، للأسف، مصبوغة بمداد الخيبة الشعبية؛ فالوعود البراقة التي دُبجت بها بيانات الولادة الحكومية تبخرت أمام صخرة الواقع الصلدة.
إذ لا تزال المدن الساحلية والحواضر الكبرى تصطلي بنيران أزمات الطاقة والكهرباء المزمنة، بينما تواصل العملة الوطنية سقوطها الحر والدراماتيكي، جارةً وراءها موجات تضخمية عاتية سحقت الطبقة الوسطى وأحالت الغالبية العظمى إلى حافة الفاقة والعوز.
حتى المرتبات الحكومية، التي تمثل رمق الحياة الأخير للموظف، غدت قضية موسمية تخضع للمماطلة والحلول الترقيعية، في ظل شلل شبه تام أصاب البنية التحتية والخدمات الأساسية.
هذا البون الشاسع بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي رسخ في الوجدان الشعبي قناعة مفادها أن التغيير التنفيذي لم يكن سوى تعديل في الأسماء والوجوه، دون ملامسة حقيقية لجوهر المأساة وطبيعة الأزمة.
إن شرعية أي سلطة قيادية في فقه السياسة الحديث لا تُستمد من حبر المراسيم وصياغة القرارات، بل من قدرتها على إحداث فارق ملموس في يوميات المواطن.
فما جدوى الازدحام في ردهات البعثات الدبلوماسية، وما نفع تضخم الهياكل الإدارية بمسؤولين يتقاضون مخصصاتهم بالعملة الصعبة، إذا كان المواطن في الداخل يفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية من ماء وغذاء وعافية؟ هذا التناقض الصارخ يورث ارتدادات نفسية خطيرة في صفوف المجتمع، متمثلة في اتساع فجوة الثقة بين الشعب وحكومته الشرعية، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه سلطة تبحث عن تثبيت مشروعيتها.
ختاماً، إن المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق صناع القرار تحتم عليهم الإدراك العاجل بأن الأزمات الوجودية للأمم لا تُفكك بأدوات التهدئة المؤقتة أو التوازنات السياسية الضيقة.
لقد شبع الوطن تشخيصاً، وصار لزاماً الانتقال الفوري من ترف إدارة الأزمة عبر التعيينات، إلى شرف حل الأزمة باعتناق مسار إصلاحي جاد؛ يرتكز على ضبط البوصلة الاقتصادية، وتفعيل أدوات الرقابة الصارمة، وترشيد النفقات بشكل حقيقي، وتوجيه الموارد المتاحة نحو إنقاذ الإنسان اليمني وبناء المؤسسات الخدمية والأمنية القادرة على صون الكيان الوطني.
إن التاريخ يكتبه من يملكون شجاعة الجراحة لا من يكتفون بالمسكنات، والأرض لا تتذكر إلا من ترك فوق تربتها أثراً باقياً ونفعاً مستداماً.