من صعدة إلى العاصمة.. رحلة الانقلاب الحوثي الذي مزق النسيج اليمني

لم تعد الأزمة اليمنية تُختزل في حرب أهلية أو نزاع سياسي على السلطة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الشرق الأوسط، بعدما امتزج فيها الانقسام الداخلي بالتدخلات الإقليمية والانهيار الاقتصادي والكارثة الإنسانية. 

وفي قلب هذا المشهد تقف مليشيات الحوثي، التي فرضت نفسها بالقوة، وغيرت ملامح الدولة اليمنية، وأدخلت البلاد في مرحلة غير مسبوقة من التفكك والصراع.

ويرى مراقبون أن ما حدث في اليمن لم يكن مجرد انقلاب سياسي فحسب بل تحول جذري أعاد تشكيل مؤسسات الدولة، وغيّر طبيعة المجتمع، وربط مستقبل البلاد بصراعات إقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية.

تمدد المليشيا من صعدة إلى صنعاء

بدأت مليشيا الحوثي نشاطها المسلح في محافظة صعدة شمال اليمن، مستفيدة من بيئة قبلية محدودة، قبل أن تتوسع تدريجياً خلال سنوات الصراع مع الدولة، التي قلصت ومنعت تمددها في ست حروب تلقت فيه المليشيا ضربات موجعة منعتها من أي توسع أو تمدد، ومع انهيار مؤسسات الدولة عقب أحداث فوضى عام 2011، وجدت المليشيا فرصة استثنائية للتمدد مستغلة الفراغ السياسي والأمني.

وفي سبتمبر/أيلول 2014، سيطرت المليشيا على العاصمة صنعاء، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، الأمر الذي قاد لاحقاً إلى اندلاع الحرب الشاملة وتدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس/آذار 2015 دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

الحرب التي مزقت النسيج الاجتماعي

لم يكن الانقسام الذي أحدثته الحرب عسكرياً فقط، بل امتد إلى البنية الاجتماعية التي ظلت لعقود تمثل أحد أهم عناصر التماسك في اليمن.

فقد انقسمت القبائل، وتفرقت الأسر بين جبهات القتال ومناطق النفوذ المختلفة، وتحولت العلاقات التي كانت تقوم على المصاهرة والتجارة والجوار إلى حالة من الاستقطاب السياسي والعسكري.

ويؤكد مختصون أن أخطر ما خلفته الحرب يتمثل في تآكل الثقة بين مكونات المجتمع، وهي آثار قد تستمر سنوات طويلة حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

 

اغتيال الدولة

يرى مراقبون أن أخطر نتائج سيطرة الحوثيين تمثلت في إضعاف مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات تخدم مشروعها. فقد خضعت المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية لإعادة هيكلة واسعة، بينما تعرض الجهاز الإداري للدولة لتغييرات كبيرة شملت إحلال كوادر موالية في مواقع القرار، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أداء مؤسسات الخدمات العامة.

كما أدى الانقسام المؤسسي إلى تراجع قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد، وتعطلت قطاعات حيوية، وتفاقمت أزمة المرتبات، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والكهرباء والمياه.

الاقتصاد في دائرة الانهيار

كان الاقتصاد اليمني من أكثر القطاعات تضرراً جراء الحرب. فقد شهد الناتج المحلي انكماشاً حاداً، وتراجعت فرص العمل، وارتفعت معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة، فيما فقدت العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها، وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل كبير.

كما تعطلت قطاعات الإنتاج، وتضررت الموانئ والمنشآت الاقتصادية، بينما أصبحت غالبية الأسر اليمنية تعتمد بصورة متزايدة على المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

أكبر أزمة إنسانية في العالم

بالتوازي مع الانهيار الاقتصادي، تفاقمت الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة. فبحسب تقارير أخيرة للأمم المتحدة، يحتاج أكثر من عشرين مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية، فيما نزح ملايين الأشخاص من منازلهم بسبب الحرب، وتعرضت البنية التحتية الصحية والتعليمية لأضرار واسعة.

كما أدت الحرب إلى اتساع رقعة الفقر وسوء التغذية، وحرمت ملايين الأطفال من التعليم، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً على مستوى العالم.

البعد الإقليمي

لم يعد الصراع اليمني شأناً داخلياً، بل تحول إلى جزء من التنافس الإقليمي. وتتهم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً ودول غربية وإقليمية إيران بتقديم الدعم العسكري والتقني لمليشيات الحوثي، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما جعل اليمن ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى إقليمية متنافسة.

كما انعكس هذا الصراع على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، بعد تعرض سفن تجارية لهجمات أثارت مخاوف المجتمع الدولي بشأن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

السعودية.. بين الأمن القومي والدور الإنساني

شكل التدخل السعودي أحد أبرز محاور الأزمة اليمنية منذ عام 2015، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالأمن القومي، في ظل الحدود المشتركة الطويلة بين البلدين، والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت الأراضي السعودية خلال سنوات الحرب.

وبجانب الدور العسكري، برزت المملكة باعتبارها أكبر داعم للمساعدات الإنسانية والتنموية المقدمة لليمن، إضافة إلى رعايتها لعدد من المبادرات السياسية الهادفة إلى وقف إطلاق النار والدفع نحو تسوية شاملة.

ويرى محللون أن أي حل سياسي مستدام للأزمة اليمنية سيظل مرتبطاً بالدور السعودي، نظراً لثقل وحضور  المملكة السياسي والجغرافي في الملف اليمني.

 

هل تراجع نفوذ الحوثيين؟

شهدت المرحلة الأخيرة تغيرات ميدانية وسياسية، تمثلت في تعرض القدرات العسكرية للحوثيين لضغوط متزايدة، وفرض قيود على معظم المنافذ، إضافة إلى تصاعد الضغوط الدولية على المليشيا.

غير أن هذا التراجع النسبي لم ينعكس حتى الآن على الواقع الإنساني، إذ لا تزال البلاد تواجه أوضاعاً معيشية صعبة، فيما تستمر حالة الجمود السياسي التي تعوق الوصول إلى حل نهائي لمعاناة اليمن واليمنيين.