الحوثيون بين التصعيد العسكري وضغوط الداخل.. هل تغيّر المعادلات الإقليمية واقع الأزمة في اليمن؟
على مدى ما يقارب عقدين، عملت مليشيا الحوثي على تطوير قدراتها العسكرية، وانتقلت تدريجيًا من خوض صراع محلي إلى توسيع نطاق عملياتها خارج الحدود اليمنية، معتمدة على ترسانة تضم صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، تقول الأمم المتحدة ودول غربية إنها تستند إلى دعم وخبرات إيرانية.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت المليشيات من استخدام هذه القدرات في هجمات استهدفت السعودية، ثم وسعت عملياتها لتشمل السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
إلا أن هذه العمليات دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ ضربات عسكرية ضد مواقع تابعة للحوثيين، كما أثرت على حركة الملاحة الدولية، وأجبرت العديد من شركات الشحن العالمية على تحويل مسارات سفنها بعيدًا عن البحر الأحمر، ما رفع تكاليف النقل وأثار مخاوف بشأن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
أزمة داخلية متفاقمة
في مقابل التصعيد العسكري، تواجه المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة، في ظل استمرار الحرب منذ أكثر من عشر سنوات، وتراجع النشاط الاقتصادي، وانقطاع رواتب شريحة واسعة من موظفي القطاع العام، إضافة إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وتشير تقارير أممية إلى أن اليمن لا يزال يشهد واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج ملايين السكان إلى مساعدات إنسانية، بينما يعاني الاقتصاد من تدهور حاد انعكس على مستوى الخدمات الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين.
ويرى محللون، أن استمرار الأوضاع الاقتصادية المتدهورة يفرض تحديات داخلية على جميع أطراف الصراع، بما فيها مليشيا الحوثي، التي تواجه انتقادات متزايدة بشأن إدارة الموارد العامة، وسياسات التعبئة والتجنيد، والقيود المفروضة على الحريات العامة في مناطق سيطرتها.
تراجع زخم خطاب "نصرة فلسطين"
ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ربط الحوثيون عملياتهم العسكرية باستهداف السفن في البحر الأحمر بما وصفوه بدعم الفلسطينيين والضغط على إسرائيل.
إلا أن مراقبين يرون أن هذا الخطاب فقد جزءًا من زخمه مع مرور الوقت، خصوصًا مع تغير المشهد الإقليمي، وتراجع حدة المواجهات بين بعض أطراف ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، الأمر الذي دفع مليشيا الحوثي إلى مواصلة خطابها التصعيدي تجاه السعودية والممرات البحرية الدولية.
الارتباط بإيران
تقول الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، إن إيران تقدم الدعم العسكري والتقني للحوثيين، بما يشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما تعده عاملًا رئيسيًا في تطور القدرات العسكرية للجماعة.
ويرى باحثون في شؤون المنطقة أن مليشيا الحوثي أصبحت تمثل أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربية، وأن تطورات المشهد الإقليمي تنعكس بصورة مباشرة على خياراتها العسكرية والسياسية.
دروس من التجربة السورية
يستحضر عدد من المراقبين تجربة النظام السوري خلال سنوات الحرب، باعتبارها مثالًا على حدود الدعم الخارجي في ضمان استقرار الحلفاء على المدى الطويل.
ويرى هؤلاء أن التحالفات الإقليمية، مهما بلغت قوتها، لا تغني عن وجود قاعدة داخلية مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية، وأن استمرار الضغوط الداخلية قد يشكل تحديًا لأي طرف في الصراع اليمني.
في المقابل، يعتبر آخرون أن الحالة اليمنية تختلف عن التجربة السورية من حيث طبيعة الصراع، وتركيبته القبلية والسياسية، إضافة إلى اختلاف البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمتين.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
ومع استمرار الحرب في اليمن، والتوترات في البحر الأحمر، وتصاعد الضغوط الاقتصادية والإنسانية، تبدو مليشيا الحوثي أمام معادلة معقدة تجمع بين السعي للحفاظ على نفوذها العسكري، ومواجهة تحديات داخلية متزايدة.
ويرى خبراء أن مستقبل مليشيا الحوثي لن يتحدد فقط بقدراتها العسكرية أو حجم الدعم الذي تتلقاه من حلفائها، وإنما أيضًا بقدرتها على التعامل مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مناطق سيطرتها، ومدى نجاح الجهود الإقليمية والدولية في الدفع نحو تسوية سياسية شاملة تنهي سنوات الصراع في اليمن.