من وسط رماد الصراعات.. كيف تحول 17 يوليو إلى طوق نجاة لليمن الجمهوري

في الذاكرة السياسية للشعوب، ثمة تواريخ لا تمر كعابر سبيل، بل تقف كعلامات فارقة تعيد توجيه بوصلة الأوطان من حافة الانهيار إلى آفاق الاستقرار وبناء المستقبل. بالنسبة لليمنيين، يمثل يوم السابع عشر من يوليو 1978 واحداً من أبرز هذه المنعطفات التاريخية؛ ففي مثل هذا اليوم قبل عقود، تسلم الرئيس علي عبدالله صالح مقاليد الحكم في الشطر الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية آنذاك).

لم يكن صعوده مجرد تبديل في هرم السلطة، بل كان تدشيناً لعهد جديد انتشل البلاد من دوامة الاغتيالات والانقلابات الدموية، ليضع اللبنات الأولى لنهضة مؤسسية وتنموية شاملة امتدت لثلاثة عقود، وتوجت بأعظم منجز يمني معاصر: إعادة تحقيق الوحدة المباركة.

تحدي البدايات

جاء صعود القائد علي عبدالله صالح إلى سدة الحكم في ظروف سياسية بالغة التعقيد والخطورة؛ فقد عاشت البلاد فترة من الارتباك الدستوري والأمني عقب اغتيال رئيسين متتاليين (إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي) في أقل من عام.

وفي خضم تلك العواصف التي هددت الكيان الجمهوري، برز صالح كخيار إنقاذي وطني، حيث تسلم السلطة بطريقة ديمقراطية ومؤسسية عبر مجلس الشعب التأسيسي.

كانت الخطوة الأولى للرئيس الجديد هي لملمة شتات الجبهة الداخلية وتثبيت أركان الدولة وتأمين العاصمة.

نجح صالح في تحويل الحكم من مفهوم الفردية والاضطراب إلى مفهوم المؤسسة والاستقرار، معيداً الهيبة لمؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، ومطلقاً العنان لرؤية سياسية ارتكزت على مبدأ الحوار وإشراك مختلف القوى الوطنية في صناعة القرار.

 

الميثاق الوطني والمؤتمر الشعبي

أدرك الرئيس صالح منذ البداية أن الاستقرار المستدام لا يتحقق بالقبضة الأمنية وحدها، بل بوجود مظلة فكرية وسياسية تجمع شتات التوجهات المتناقضة. 

ومن هذا المنطلق، رعى صياغة الميثاق الوطني عام 1982 كدليل فكري ونظري صاغته نخب يمنية من مختلف التيارات الوطنية اليمنية عبر استفتاء شعبي غير مسبوق.

تلا ذلك تأسيس المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس 1982، والذي لم يكن حزباً إيديولوجياً ضيقاً، بل تنظيمًا وطنياً جامعاً وساحة للحوار والتوافق. 

شكل هذا التنظيم النواة الحقيقية لتجربة التعددية السياسية والحزبية الفتية التي تفجرت لاحقاً بالتزامن مع إعلان الوحدة اليمنية، واضعاً اليمن في صدارة الدول العربية التي تبنت الديمقراطية الناشئة، وحرية الصحافة، والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع.

دبلوماسية الحكمة

نقلة نوعية أخرى حققها اليمن في عهد صالح تجسدت في صياغة سياسة خارجية اتسمت بالاتزان، والحياد الإيجابي، وحسن الجوار. 

استطاع اليمن تقديم نموذج حضاري ملهم في حل النزاعات الحدودية المعقدة بالوسائل السلمية والقانونية، بعيداً عن لغة الحروب؛ حيث تم التوقيع على اتفاقيات الترسيم النهائي للحدود مع سلطنة عُمان ثم مع المملكة العربية السعودية.

كما استعادت الدولة سيادتها الكاملة على أرخبيل جزر حنيش بالبحر الأحمر عبر اللجوء إلى محكمة التحكيم الدولية، في تأكيد واضح على احترام اليمن للقانون الدولي وحرصها على الأمن الإقليمي.

 

صالح.. إرث وطني محفور في وجدان الأجيال

إن إنصاف التاريخ يفرض النظر إلى 17 يوليو 1978 كفاتحة لعصر الاستقرار والبناء المؤسسي. 

واليوم، يتطلع اليمنيون إلى تلك الحقبة بكثير من القراءة والتمعن، مستلهمين من مسيرة الزعيم الصالح دروس الحكمة، وقيم الحوار، وبناء الدولة الوطنية الجامعة، كطريق وحيد لاستعادة أمن اليمن السعيد واستقراره المفقود.