تفجير جامع دار الرئاسة: جريمة دشّنت انتقال الصراع في اليمن من السياسة إلى العنف
تمرّ ذكرى تفجير جامع دار الرئاسة، أحد أخطر الأحداث في تاريخ اليمن الحديث، بوصفها محطة مفصلية غيّرت مسار الصراع في البلاد، ونقلت الخلافات من إطارها السياسي إلى مربع العنف وكسر المحرّمات الوطنية والأخلاقية، وما تزال تداعياتها حاضرة في المشهد اليمني حتى اليوم.
في الثالث من يونيو عام 2011، استهدف التفجير جامع دار الرئاسة أثناء أداء الصلاة، ما أسفر عن إصابة الرئيس آنذاك علي عبدالله صالح وعدد من كبار قيادات الدولة، في هجوم وُصف حينها بأنه لم يستهدف أشخاصًا أو موقعًا سياديًا فحسب، بل أصاب جوهر الدولة اليمنية ومفهوم التداول السلمي للسلطة.
واعتبر مراقبون أن الجريمة مثّلت إعلانًا صريحًا لاعتماد العنف وسيلة للوصول إلى الحكم، وهو خيار لم تتوقف آثاره عند لحظة التفجير، بل امتد ليقود البلاد إلى سلسلة من الأزمات السياسية والانقسامات الاجتماعية، وتآكل الثقة بين المجتمع والدولة، وانهيار مؤسساتي واسع فتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية، وأضعف القرار الوطني المستقل.
وأكدت تطورات السنوات اللاحقة أن العنف لم ينتج سلطة مستقرة ولا دولة قابلة للحياة، بل أسهم في إدخال اليمن في دوامة من الصراعات المتبادلة، وتغليب منطق القوة على الشراكة، وتهميش الحوار، ما دفع اليمنيين ثمنه دمًا وانقسامًا وفقرًا وتمزقًا للنسيج الاجتماعي.
ولم تكمن خطورة التفجير في فداحته أو وقوعه في مكان وزمان مقدّسين فقط، بل في تقويضه لمسار ديمقراطي ناشئ كان اليمنيون قد اختاروه، رغم تعثراته، عبر صناديق الاقتراع والاحتكام للإرادة الشعبية، وهي تجربة شهدت – بشهادة منظمات دولية – محطات انتخابية متقدمة قياسًا بواقع إقليمي مضطرب.
ورغم الإدانات الواسعة التي صدرت آنذاك من قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات حقوقية دولية، إضافة إلى قرار صادر عن مجلس الأمن أدان التفجير وصنّفه عملًا إرهابيًا، فإن تعثر العدالة وغياب المحاسبة خلال المرحلة الانتقالية أسهما في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وفتحا الباب أمام تكرار الانتهاكات والجرائم.
ويرى محللون أن استعادة هذه الذكرى لا ينبغي أن تكون مناسبة لإعادة إنتاج الخصومات أو تأجيج الأحقاد، بل فرصة لمراجعة خيار العنف ونبذ الإرهاب، والتأكيد على أن الحوار، مهما بدا معقدًا أو بطيئًا، يظل الطريق الأقل كلفة والأكثر واقعية لبناء دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وتبقى ذكرى تفجير جامع دار الرئاسة شاهدًا على مرحلة مفصلية خسر فيها اليمن وطنًا كاملًا حين أُغلق باب السياسة وفُتح باب العنف، في درسٍ يؤكد أن الأوطان لا تُبنى بالتفجير أو الإقصاء، بل بالتوافق، وقبول الآخر، والاحتكام للإرادة الشعبية ضمن إطار دولة جامعة لكل أبنائها.