من الغدر بـ"دار الرئاسة" إلى صفقة الأسرى الفاضحة.. التخادم الحوثي الإخواني لتقويض الدولة اليمنية
تتشابك خيوط المؤامرة في الذاكرة اليمنية المثقلة بالجراح لتكشف بعد مرور ما يقارب 16 عاماً على جريمة تفجير جامع دار الرئاسة عن أعمق تجليات التخادم والتحالف النفعي بين قطبي التطرف في اليمن: مليشيا الحوثي السلالية وتنظيم الإخوان المسلمين المتمثل بحزب الإصلاح.
لم يكن الثالث من يونيو 2011م مجرد حدث عابر في سياق فوضى ما سُمي بالربيع العربي، بل كان طعنة غادرة ومخططاً استراتيجياً مدروساً استهدف تقويض الدولة اليمنية الحديثة التي أرسى مداميكها الرئيس علي عبدالله صالح.
ومع تقادم السنوات، تعرت الوجوه وسقطت الأقنعة الزائفة لتظهر حقيقة صادمة تمثلت في صفقة التبادل المشبوهة التي عُقدت بين المليشيا الحوثية وحزب الإصلاح، حيث تلاقت مصالح الجماعتين المتطرفتين فوق دماء قادة الدولة ورجالاتها الأوفياء، ليبرهن هذا التخادم المفضوح أن الخلافات الأيديولوجية المعلنة تذوب تماماً عندما تلتقي الرغبة المشتركة في هدم مؤسسات الدولة ومحو إرث النظام الجمهوري المستقر.
سنوات الاستقرار والنهضة
تستدعي الذاكرة الوطنية اليمنية اليوم، وبكثير من الاعتزاز والندم على ما فُقد، حقبة الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح كعصر ذهبي للأمن والاستقرار والتنمية الشاملة.. فقد تمكنت الدولة في عهده من بناء مؤسسات دستورية قوية، وتحقيق الوحدة الوطنية، وبسط هيبة القانون في أرجاء البلاد، مع الحفاظ على التوازنات السياسية والقبلية التي ضمنت لليمن مكانته الإقليمية والدولية.
كان اليمن يعيش نهضة تنموية وبنية تحتية واعدة، واقتصاداً مستقراً يقاوم التحديات، وجيشاً وطنياً ولاؤه لله ثم للوطن والثورة، بعيداً عن الانتماءات المذهبية أو الحزبية الضيقة.
هذه الدولة القوية المتماسكة كانت حائط الصد المنيع أمام أطماع الكهنوت الإمامي الحوثي المتربص في كهوف مران، ومشاريع الهيمنة الحزبية الإخوانية التي تسعى لاختطاف قرار الوطن، وهو ما جعل دولة صالح هدفاً رئيساً لقوى التطرف التي تحالفت لتفجير الأوضاع وإغراق البلاد في مستنقع الصراعات الأهلية.
الجمعة الدامية
في ذلك اليوم المشؤوم، الثالث من يونيو 2011م، وفي أول جمعة من شهر رجب الحرام، تجسد الغدر في أبشع صوره داخل بيت من بيوت الله، حيث استهدفت عواصف الحقد وإرث التطرف جامع دار الرئاسة أثناء تأدية الرئيس صالح وكبار قادة الدولة والمؤتمر الشعبي العام صلاة الجمعة.. لم تكن الجريمة وليدة الصدفة، بل نُفذت عبر تفجير عبوات ناسفة شديدة الانفجار زُرعت بدقة داخل المسجد بتواطؤ داخلي وتنسيق لوجستي واستخباراتي عالي المستوى أشرفت عليه قيادات عسكرية وقبلية ودينية تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين في ساحات الفوضى آنذاك.
أسفر هذا العمل الإرهابي الجبان عن استشهاد 13 من رموز الدولة الأبرار، وعلى رأسهم رجل التنمية والسياسة الحكيم عبدالعزيز عبدالغني، وإصابة الرئيس صالح وحشد من قيادات الصف الأول بجروح بالغة وحروق شديدة.
كانت هذه الحادثة بمثابة المسمار الأول الذي دُق في نعش الدولة، حيث أراد المخططون قطع رأس النظام السياسي والدستوري لليمن دفعة واحدة، وتهيئة الساحة لتقاسم السلطة بين قوى التطرف التي لم تجد سبيلاً للوصول إلى الحكم إلا عبر أشلاء الشرفاء ودماء رجالات الدولة.
سقوط العاصمة
أدت جريمة تفجير جامع دار الرئاسة إلى زعزعة أركان الدولة وإضعاف مؤسساتها الأمنية والعسكرية، مما مهد الطريق لسيناريو السقوط الكبير الذي شهدته العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.
وهنا برز الوجه القبيح للتخادم بين تنظيم الإخوان والحوثيين، حيث تخلت المليشيات العسكرية التابعة للإصلاح عن الدفاع عن العاصمة، وسلمت المعسكرات ومخازن الأسلحة لمليشيا الحوثي في صفقة غامضة رعاها المبعوث الأممي آنذاك، وهدفت إلى التخلص المشترك من سلطة الدولة ومؤسساتها وحزب المؤتمر الشعبي العام وفي مقدمة ذلك الزعيم صالح.
ظن الإخوان أنهم سيشاركون الحوثي في حكم اليمن الجديد على أنقاض الدولة الجمهورية، فتآمروا معاً على تفتيت الجيش الوطني وتدمير مقدراته، وشرعنوا للمليشيا الكهنوتية التمدد والسيطرة تحت لافتة مخرجات الحوار ومحاربة النظام الجمهوري، ليجد اليمنيون أنفسهم ضحايا تحالف غير مقدس يجمع بين خرافة الحق الإلهي وسوداوية التنظيم الحزبي العابر للحدود.
الصفقة الفاضحة
توجت الجماعتان المتطرفتان سنوات التخادم السري بصفقة علنية فاضحة في منتصف أكتوبر 2019، صدمت الوجدان اليمني وعرت المتاجرين بالقضايا الوطنية. فبموجب اتفاق مباشر جرى تحت الطاولة وبعيداً عن الحكومة الشرعية والأمم المتحدة، أطلقت مليشيا الحوثي في صنعاء سراح خمسة من المتهمين الرئيسيين الموقوفين في قضية تفجير جامع دار الرئاسة، والذين ثبت تورطهم جنائياً وإرهابياً في تدبير وتنفيذ الهجوم عام 2011م.
تمت هذه المقايضة المخزية مقابل إفراج حزب الإصلاح عن أسرى ومقاتلين حوثيين عقائديين جرى أسرهم في جبهات مأرب والجوف.
كانت هذه الخطوة بمثابة إعلان رسمي عن تجاوز المسار القضائي المعطل، وإفلات المجرمين من العقاب، حيث جرت معاملة قتلة وإرهابيين محتجزين على ذمة قضية جنائية كأسرى حرب، مما يثبت بالدليل القاطع أن الجماعتين تعتبران تفجير جامع دار الرئاسة عملاً مشتركاً يخدم مصالحهما، وأن دماء شهداء وجرحى جريمة جامع دار الرئاسة كانت مجرد ورقة للمساومة والتقارب بين الإخوان والحوثيين.
استعادة الدولة ومؤسساتها
بعد مرور قرابة 16 عاماً على تلك المحطة الفاصلة، يرى الشعب اليمني بوضوح كيف تحولت البلاد من دولة مستقرة ومهابة الجانب تحت قيادة الرئيس علي عبدالله صالح، إلى كانتونات ممزقة تتقاسمها المليشيات الطائفية والإخوانية المتطرفة التي لا تؤمن بمفهوم الوطن أو المواطنة. إن صفقة إطلاق سراح متهمي دار الرئاسة والتخادم المستمر بين الحوثيين والإخوان يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أن هذين الكيانين وجهان لعملة واحدة تستهدف الهوية اليمنية والنظام الجمهوري. ولم يعد أمام القوى الوطنية الشريفة وأبناء الشعب اليمني إلا الالتفاف حول مشروع وطني جامع يستلهم قيم دولة صالح في البناء والتنمية والاستقرار، ويرفض بكافة الأشكال المليشيات السلالية والحزبية المتطرفة، ويعمل على تعريتها ومواجهتها لاستعادة الدولة ومؤسساتها القضائية، وتطبيق العدالة بحق كل من تآمر وسفك دماء قادة اليمن وباع مقدرات الوطن في أسواق المقايضات السياسية المشبوهة.