من السياسة إلى العسكرة المطلقة.. تقرير بريطاني يكشف سيناريو "دولة الحرس الثوري" المقبلة
كشفت صحيفة "التلغراف" البريطانية عن ما وصفته بتحالف جديد وغير معلن داخل هرم السلطة الإيرانية، يجمع بين اثنين من أبرز قادة الحرس الثوري، الأمر الذي قد يعيد تشكيل موازين النفوذ داخل الجمهورية الإسلامية خلال المرحلة التي أعقبت غياب المرشد الأعلى علي خامنئي.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا التحالف لم يحظ باهتمام يذكر في وسائل الإعلام الغربية، رغم ما قد يحمله من تداعيات على مستقبل النظام الإيراني وتركيبة السلطة داخله.
وفي الوقت الذي سارعت فيه تحليلات غربية إلى تقديم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف باعتباره الشخصية الأقوى في إيران بعد مرحلة خامنئي، تشير معطيات جديدة إلى أن مراكز النفوذ الفعلية داخل الحرس الثوري تتجه نحو مسار مختلف، وأن قاليباف لم يعد اللاعب الأكثر تأثيراً في المشهد السياسي والأمني الإيراني.
ونقلت الصحيفة عن تقرير أعده الباحثان كسرى عرابي وسعيد غولكار أن مكانة قاليباف تعرضت لتراجع ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تصاعد التكهنات داخل أوساط الحرس الثوري بشأن تهميشه في ملفات رئيسية، بما فيها المفاوضات مع الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار حالة من الاستياء بين المقربين منه.
وكان الباحثان قد أشارا في تقرير سابق إلى أن أحمد وحيدي، القائد العام الجديد للحرس الثوري، بات يمثل الشخصية الأكثر نفوذاً داخل النظام الإيراني، وهو استنتاج قالت الصحيفة إن مصادر استخباراتية غربية دعمته لاحقاً.
غير أن التقرير يؤكد أن نفوذ وحيدي لا يستند فقط إلى موقعه العسكري الجديد، بل يعتمد أيضاً على شبكة تحالفات داخلية يسعى إلى توسيعها بعد سنوات أمضاها في مؤسسات الدولة المدنية والأمنية، من بينها وزارة الداخلية والجامعة الوطنية العليا للدفاع، ما أبعده نسبياً عن مراكز التأثير اليومية داخل الحرس الثوري.
وفي هذا السياق، يبرز اسم محمد علي جعفري، القائد العام السابق للحرس الثوري، بوصفه أحد أبرز صناع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية. وترى الصحيفة أن جعفري أصبح شريكاً أساسياً لوحيدي في بناء توازنات القوة الجديدة، مستفيداً من حضوره الواسع داخل الأجيال الشابة للحرس الثوري وقوات التعبئة.
تسجيلات صوتية مسربة
وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن العلاقة بين جعفري وقاليباف اتسمت بالتوتر منذ سنوات، وخرجت إلى العلن بصورة أوضح بعد تسريب تسجيلات صوتية عام 2022 تضمنت اتهامات تتعلق بقضايا فساد يُزعم تورط قاليباف فيها. ورغم أن جعفري فقد لاحقاً منصبه على رأس الحرس الثوري، فإنه لم يغادر دائرة التأثير.
ففي عام 2019، تولى جعفري قيادة "مقر بقية الله"، وهو جهاز يوصف بأنه أحد أكثر المؤسسات نفوذاً وسرية داخل النظام الإيراني.
ووفقاً لتسجيلات مسربة أوردتها الصحيفة، يتمتع هذا الجهاز بوضع استثنائي يتيح له رفع تقاريره مباشرة إلى مكتب المرشد الأعلى، على غرار بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية الحساسة.
وخلال فترة قيادته للحرس الثوري بين عامي 2007 و2019، أشرف جعفري على عملية إعادة هيكلة واسعة للمؤسسة العسكرية، هدفت إلى تعزيز اللامركزية وتوسيع القدرات الأمنية والاستخباراتية، فضلاً عن تطوير أدوات المواجهة غير التقليدية في التعامل مع الخصوم الخارجيين والاضطرابات الداخلية.
كما لعب دوراً محورياً في إنشاء أجهزة أمنية واستخباراتية جديدة، وتوسيع نشاطات الحرس الثوري في مجالات الفضاء الإلكتروني والأمن الداخلي، إضافة إلى الإشراف على عمليات مواجهة الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال أعوام مختلفة.
مجموعات شبابية عقائدية
وترى الصحيفة أن أبرز أدوات نفوذ جعفري تتمثل فيما يعرف داخل الحرس الثوري بـ"الحلقة الوسطى"، وهي شبكة تنظيمية أنشئت بهدف استقطاب وتدريب مجموعات شبابية عقائدية موالية للنظام. ووفقاً للخطة التي أُطلقت عام 2019، كان الهدف تشكيل مئات الآلاف من المجموعات الصغيرة المنتشرة في مختلف المدن والأحياء الإيرانية لتأدية أدوار ثقافية وسياسية وتنظيمية.
وتقول الصحيفة إن هذه الشبكة لم تقتصر على الأنشطة التعبوية، بل استخدمت أيضاً للتأثير في الاستحقاقات السياسية والانتخابية. واستشهدت بتسجيل صوتي مسرب نُسب إلى وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، تحدث فيه عن دور جعفري في التأثير على نتائج الانتخابات.
وبحسب التقرير، فإن هذه الشبكة التنظيمية تمثل اليوم القاعدة التي يحتاجها أحمد وحيدي لترسيخ نفوذه داخل الحرس الثوري، خصوصاً بين الأجيال الشابة الأكثر تشدداً والتزاماً بالعقيدة السياسية للنظام.
ويرى التقرير أن وحيدي وقاليباف يمثلان اتجاهين مختلفين داخل المؤسسة الحاكمة. فبينما ينظر كثير من العناصر العقائديين داخل الحرس الثوري إلى قاليباف بوصفه جزءاً من النخبة السياسية المرتبطة بقضايا فساد وامتيازات اقتصادية، يقدم وحيدي نفسه باعتباره ممثلاً للتيار العقائدي الأكثر تشدداً.
وتعززت هذه الصورة، وفق الصحيفة، بفعل الجدل الذي أثير خلال السنوات الماضية حول إقامة بعض أفراد أسرة قاليباف في الخارج، إضافة إلى قضايا أثارت انتقادات واسعة داخل الأوساط المحافظة الإيرانية، في وقت كان الخطاب الرسمي يدعو إلى التقشف وتحمل الضغوط الاقتصادية.
ورغم أن قاليباف نجح طوال مسيرته السياسية في الانتقال بين أدوار متعددة، من قائد أمني إلى رئيس بلدية ثم رئيس للبرلمان، فإن هذه التحولات المتكررة أضعفت ثقة بعض مراكز القوى التقليدية به، بحسب التقرير.
وأشار التقرير إلى أن تحالف وحيدي وجعفري يجمع بين المصالح السياسية والرؤية الأيديولوجية المشتركة، حيث يحتاج الأول إلى شبكة النفوذ التي بناها الثاني داخل الحرس الثوري وقوات التعبئة، بينما يجد جعفري في صعود وحيدي فرصة لتعزيز نفوذ تياره وإقصاء خصومه داخل المؤسسة العسكرية.
وترى الصحيفة أن نجاح هذا التحالف قد يدفع النظام الإيراني نحو مرحلة جديدة تتسم بتعاظم دور الحرس الثوري في إدارة الدولة بصورة مباشرة، وانتقال مركز الثقل من المؤسسات السياسية التقليدية إلى البنية الأمنية والعقائدية الأكثر تشدداً.
وتحذر من أن هذا التحول قد ينعكس داخلياً في صورة تشديد القبضة الأمنية وزيادة القيود السياسية، بينما قد يدفع إيران خارجياً إلى تبني سياسات أكثر صدامية، انطلاقاً من رؤية تعتبر المواجهة أداة رئيسية لترسيخ النفوذ وتحقيق المصالح الاستراتيجية.
وتختتم الصحيفة بالقول إن مستقبل هذا التحالف سيبقى رهناً بقدرة النظام الإيراني على تجاوز التحديات الحالية، إلا أن المؤشرات المتوافرة توحي بأن الصراع على خلافة النفوذ داخل الحرس الثوري أصبح عاملاً حاسماً في رسم ملامح إيران خلال السنوات المقبلة.