العيد الـ36 للوحدة اليمنية.. المشروع الوطني الجامع في مواجهة مشاريع التفكيك والانقلاب
يحل العيد السادس والثلاثون لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية لتعيد إلى الواجهة واحدة من أهم المحطات المفصلية في التاريخ اليمني الحديث، باعتبارها المشروع الوطني الأكبر الذي توج نضالات اليمنيين عبر عقود طويلة من الكفاح السياسي والثوري، وأسس لقيام دولة يمنية موحدة أنهت عقود التشطير والانقسام.
وتأتي هذه المناسبة الوطنية في ظل مرحلة بالغة التعقيد يعيشها اليمن؛ نتيجة تداعيات الانقلاب الحوثي وما ترتب عليه من انهيار مؤسسات الدولة وتفكك البنية الاقتصادية والاجتماعية وتصاعد المخاطر التي تهدد الهوية الوطنية الجامعة، الأمر الذي يمنح العيد الثاني والعشرون من مايو بعداً يتجاوز الاحتفال الرمزي إلى استحضار المشروع الوطني الجامع بوصفه ركيزة للخلاص واستعادة الدولة.
حتمية التاريخ وولادة الجمهورية اليمنية الحديثة
لم يكن يوم الثاني والعشرين من مايو 1990 حدثاً سياسياً عابراً، بل جاء تتويجاً طبيعياً لمسار طويل من النضال الوطني الذي حملته أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، واللتين اعتبرتا الوحدة هدفاً استراتيجياً لاستكمال بناء الدولة اليمنية الحديثة وإنهاء آثار الإمامة والاستعمار والتشطير.. أهمها اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس علي عبدالله صالح وقيادة الجنوب حينها في عدن عام 1989، والذي مهد لإقرار مشروع دستور دولة الوحدة وإعلان قيام الجمهورية اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990.
ومثّل قيام الدولة الموحدة تحولاً جذرياً في بنية النظام السياسي اليمني، حيث أُعلنت التعددية السياسية والحزبية وحرية الصحافة والعمل البرلماني في تجربة اعتبرت، آنذاك، من أبرز التجارب الديمقراطية الناشئة في المنطقة العربية وشبه الجزيرة العربية.
الوحدة اليمنية ومنجز الدولة الحديثة
شهد اليمن عقب تحقيق الوحدة تحولات تنموية وسياسية واسعة شملت مختلف المحافظات اليمنية، خصوصاً في المحافظات الجنوبية والشرقية التي شهدت توسعاً في مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة والتنمية الاقتصادية.
وخلال تلك المرحلة تم تنفيذ شبكات طرق استراتيجية وربط المحافظات بممرات نقل حديثة، إضافة إلى تطوير الموانئ والمطارات والتوسع في قطاع التعليم العالي عبر إنشاء الجامعات والمعاهد الفنية، إلى جانب تطوير قطاعات النفط والغاز والاتصالات والخدمات الأساسية.
كما حققت السياسة الخارجية اليمنية في عهد الرئيس علي عبدالله صالح اختراقات مهمة، كان أبرزها توقيع اتفاقية جدة لترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية عام 2000، بما عزز الاستقرار الإقليمي وفتح المجال أمام بيئة أكثر أمناً للاستثمار والتعاون الاقتصادي.
وشكلت الدولة الموحدة خلال تلك المرحلة عامل استقرار سياسي وأمني مهم، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضاً في محيط البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، باعتبار اليمن دولة محورية في أمن الملاحة الدولية والأمن القومي العربي.
مراجعة الأخطاء ومعالجة المظالم
ورغم أهمية المنجز الوحدوي، والدور الوطني والسياسي والتاريخي للزعيم صالح، إلا أن بعض القوى المندرجة ضمن التوجه السياسي الحزبي المعارض أوجدت شرخاً طعن الوفاق الوطني الوحدوي في خاصرته مما تسبب في إحداث اختلالات إدارية واقتصادية، خصوصاً فيما يتعلق ببعض القضايا المرتبطة بالمحافظات الجنوبية بعد حرب صيف 1994، وهي قضايا ظلت حاضرة في الخطاب السياسي والتوجه الفعلي والعملي للرئيس علي عبدالله صالح وقيادة حزب المؤتمر الشعبي العام، التي أكدت مراراً أن معالجة تلك الاختلالات يجب أن تتم في إطار الحفاظ على الدولة اليمنية الموحدة، بعيداً عن مشاريع الانقسام والتفكيك.
وفي هذا السياق برزت مبادرات لمعالجة قضايا الأراضي والموظفين المبعدين وإعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية، إلى جانب الدعوات لتعزيز اللامركزية الإدارية وتوسيع المشاركة السياسية والتنموية بما يحقق العدالة والمواطنة المتساوية.
وهو ما يبرز أيضاً في هذه المرحلة الراهنة مواقف ودعوات المؤتمر الشعبي العام التي تؤكد أهمية التمسك بالوحدة اليمنية كمرجعية وطنية جامعة، مع ضرورة معالجة كافة الاختلالات بروح الشراكة الوطنية والتوافق بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية.
الانقلاب الحوثي والخطر الوجودي على اليمن
يمثل انقلاب مليشيات الحوثي عام 2014 أخطر تهديد واجهه اليمن الحديث منذ تحقيق الوحدة، حيث أدى اجتياح العاصمة صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة إلى إدخال البلاد في دوامة من الصراع والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
وسعت المليشيا الحوثية إلى فرض مشروع ذي طابع طائفي وسلالي قائم على إلغاء التعددية السياسية وتقويض مؤسسات الجمهورية وإعادة إنتاج أنماط الحكم الإمامي، وهو ما تسبب في تعميق الانقسامات الداخلية وتمزيق النسيج الاجتماعي اليمني.
كما أدت الحرب إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية والخدمية، وتفاقم معدلات الفقر والنزوح والانهيار الاقتصادي، فضلاً عن تهديد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
وتكشف القرارات والإجراءات التي اتخذتها المليشيا ضد خصومها السياسيين، حجم المخاوف التي يحملها المشروع الحوثي تجاه القوى الجمهورية والوحدوية الرافضة لمحاولات تغيير هوية الدولة اليمنية ومصادرة مستقبلها السياسي.
استعادة الدولة وبناء المستقبل
تفرض المرحلة الراهنة على القوى الوطنية اليمنية تجاوز الخلافات الثانوية وتوحيد الجهود نحو الهدف المركزي المتمثل في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي وبناء سلام دائم قائم على الشراكة الوطنية وسيادة القانون.
وتؤكد العديد من الرؤى الوطنية أن الحفاظ على الوحدة اليمنية لا يتعارض مع معالجة القضايا والمظالم، بل يمثل الإطار الضامن لأي مشروع وطني مستقبلي يحقق العدالة والاستقرار والتنمية المتوازنة.
كما تتطلب عملية استعادة الدولة إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية، وتعزيز مؤسسات القضاء والإدارة، وإطلاق مشروع مصالحة وطنية شامل يضمن مشاركة كافة القوى السياسية والاجتماعية في صياغة مستقبل اليمن.
الوحدة اليمنية كضمانة للأمن الإقليمي
تؤكد التطورات الإقليمية والدولية أن استقرار اليمن ووحدته يمثلان مصلحة استراتيجية للأمن القومي العربي وأمن الملاحة الدولية، خصوصاً في ظل الموقع الجغرافي الحيوي الذي يشغله اليمن على خطوط التجارة العالمية.
وتمثل أي مشاريع لتفكيك اليمن أو تقسيمه فرصة لتعزيز نفوذ الجماعات المسلحة والمشاريع الإقليمية العابرة للدولة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الدولة اليمنية الموحدة جزءاً من معركة حماية الاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي العيد الثاني والعشرين من مايو، تتجدد الدعوات لاستعادة روح المشروع الوطني الذي جمع اليمنيين تحت راية الجمهورية والوحدة والدولة المدنية، باعتبار ذلك الطريق الأكثر واقعية لإنقاذ اليمن من دوامة الحرب والانقسام وإعادة بناء الدولة الحديثة القادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها وتحقيق تطلعات شعبها في الأمن والاستقرار والتنمية.