انسداد الأفق السياسي في اليمن.. من يدفع كلفة الجمود؟
لم يعد المشهد السياسي في اليمن مجرد حالة تعثر ظرفية أو أزمة قابلة للاحتواء عبر جولة مفاوضات هنا أو مبادرة هناك، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى حالة انسداد سياسي شاملة تتداخل فيها عوامل القوة العسكرية مع غياب الإرادة السياسية الجادة لإنتاج تسوية حقيقية، وتغيب فيها المرجعيات الوطنية الجامعة لصالح مشاريع متصارعة لا تلتقي عند مفهوم الدولة أو تتفق على شكلها ووظيفتها.
هذا الانسداد لا يظهر فقط في تعثر مسارات التفاوض أو توقف الجولات الحوارية بين الفينة والأخرى، بل يتجسد في غياب أي أفق واقعي لإعادة إنتاج دولة قادرة على استيعاب مكوناتها السياسية والاجتماعية، وإعادة بناء عقد اجتماعي جديد يضع حدًا لحالة التشظي المستمرة.
فاليمن اليوم لا يعيش مجرد أزمة حكم أو صراع سلطة، بل يعيش تفككًا تدريجيًا في بنية الدولة ذاتها، حيث تتوزع السلطة بين أكثر من مركز قرار، وتغيب الدولة الجامعة لصالح سلطات أمر واقع متنازعة.
على امتداد سنوات الحرب، تعاقبت المبادرات الدولية والإقليمية، وتعددت جولات التفاوض في جنيف والكويت وستوكهولم ومسارات أخرى، غير أن النتيجة النهائية ظلت تدور في حلقة مفرغة: لا حرب تُحسم لصالح طرف، ولا سلام يُنتج تسوية مستدامة.
وبين هذا وذاك، بقي اليمن عالقًا في منطقة رمادية تُدار فيها الأزمة بدلاً من حلها، ويُعاد فيها إنتاج الصراع بأشكال مختلفة، دون أن يقترب من نهايته.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز عنصر محوري بات يشكل أحد أبرز أسباب استمرار حالة الجمود، ويتمثل في طبيعة الطرف المسيطر على جزء واسع من الجغرافيا اليمنية، المتمثل في مليشيات الحوثي والذي يتعامل مع العملية السياسية بمنطق مختلف عن منطق الدولة والشراكة الوطنية، ما جعل الوصول إلى تسوية شاملة مهمة شديدة التعقيد.
مليشيات الحوثي ومعضلة الشراكة السياسية في معادلة مختلة
في السياق اليمني الراهن، يشير العديد من المراقبين إلى أن التعامل مع مليشيات الحوثي لا يجري ضمن إطار طرف سياسي تقليدي يمكن إدماجه بسهولة في معادلة شراكة وطنية قائمة على التعددية والتوافق، بل مع كيان مسلح متطرف نشأ وتوسع خارج منظومة الدولة، وفرض وجوده بالقوة، وأعاد تشكيل المؤسسات في المناطق التي يسيطر عليها وفق رؤية أحادية لا تقوم على التعدد أو المشاركة.
هذا الواقع يخلق إشكالية جوهرية في أي عملية تفاوضية، إذ تتحول المفاوضات من أداة لبناء تسوية سياسية قائمة على التنازلات المتبادلة، إلى مساحة لإعادة ترتيب موازين القوة على الأرض، دون الوصول إلى صيغة نهائية تعالج جذور الصراع.
فبدلاً من أن تكون العملية السياسية وسيلة لإنهاء الحرب، أصبحت في كثير من مراحلها وسيلة لإدارة الصراع وتجميده دون حله.
الممارسات على الأرض في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تعكس هذا الإشكال بوضوح، حيث تُدار المؤسسات بمنطق مركزي شديد الصرامة، وتُفرض سياسات أحادية في إدارة الشأن العام، فيما تتراجع مساحات التعدد السياسي والمدني لصالح سلطة أمر واقع لا تخضع لمبدأ الشراكة الوطنية.
هذا النمط من الحكم يجعل من الصعب إدماج هذا الطرف ضمن تصور تقليدي للدولة الحديثة التي تقوم على التعددية وتداول السلطة.
ومع تكرار جولات التفاوض، برزت معضلة أساسية تتمثل في غياب الضمانات الكافية لتنفيذ الاتفاقات، إذ غالبًا ما يتم التوصل إلى تفاهمات مرحلية، لكنها لا تصمد طويلًا أمام تعقيدات الواقع أو أمام اختلاف تفسير الالتزامات بين الأطراف، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج دائرة الجمود.
المفاوضات بين وقف الحرب وإدارة الأزمة
منذ سنوات، لم تتوقف الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى دفع العملية السياسية في اليمن نحو مسار الحل، غير أن هذه الجهود اصطدمت في كل مرة بعقبة أساسية تتمثل في غياب أرضية سياسية مشتركة بين الأطراف الفاعلة، وتباين عميق في تصور كل طرف لمفهوم السلام وشكل الدولة المستقبلية.
في هذا السياق، لم تعد المفاوضات تهدف بالضرورة إلى إنهاء الصراع بشكل نهائي، بقدر ما أصبحت وسيلة لتخفيف حدته أو تجميده مؤقتًا، عبر اتفاقات لوقف إطلاق النار أو ترتيبات إنسانية أو إجراءات بناء ثقة محدودة التأثير.
إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح في الانتقال إلى مرحلة الحل السياسي الشامل.
ويشير هذا الواقع إلى أن الأزمة اليمنية لم تعد أزمة تفاوض فحسب، بل أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الأطراف نفسها، وبمدى استعدادها للانخراط في مشروع دولة واحدة، يقوم على تقاسم السلطة والتنازل المتبادل، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل استمرار منطق القوة كعامل حاسم في إدارة الواقع.
كلفة الجمود على المجتمع اليمني
في الوقت الذي تدور فيه النقاشات السياسية حول مسارات الحل، يدفع المجتمع اليمني الكلفة الأكبر لهذا الجمود المستمر. فالأزمة لم تعد محصورة في الجغرافيا السياسية أو في النخب المتصارعة، بل امتدت لتشمل تفاصيل الحياة اليومية لملايين اليمنيين.
تدهور اقتصادي حاد، انقطاع الرواتب، انهيار الخدمات الأساسية، وتراجع البنية التحتية، كلها نتائج مباشرة لحالة الانسداد السياسي التي عطلت مؤسسات الدولة وأضعفت قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية. ومع استمرار الصراع، تتوسع رقعة الفقر وتزداد معدلات البطالة، فيما تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تمثل ركيزة الاستقرار الاجتماعي.
الأخطر من ذلك أن هذا الجمود لا يستهلك الحاضر فقط، بل يهدد المستقبل أيضًا، إذ يؤدي إلى إضعاف التعليم وتراجع فرص التنمية وتآكل رأس المال البشري، ما يجعل عملية إعادة البناء أكثر صعوبة وتعقيدًا مع مرور الوقت.
مؤسسات دولة تتآكل تحت ضغط الصراع
أحد أبرز تداعيات الانسداد السياسي يتمثل في التآكل التدريجي لمؤسسات الدولة اليمنية، التي فقدت الكثير من قدرتها على العمل كوحدة واحدة.
فمع تعدد مراكز السلطة، أصبحت المؤسسات إما منقسمة أو مشلولة أو خاضعة لتأثيرات سياسية وأمنية متباينة.
هذا الواقع أدى إلى تراجع مفهوم الدولة المركزية لصالح سلطات محلية وأمنية متفرقة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية أو فرض القانون أو إدارة الموارد العامة.
ومع مرور الوقت، تتحول الدولة من كيان جامع إلى إطار رمزي ضعيف التأثير.
المجتمع الدولي بين إدارة الأزمة وغياب الحسم
رغم الحضور الدولي المستمر في الملف اليمني، إلا أن هذا الحضور لم ينجح في إحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمة.
فالمبادرات الدولية، رغم كثرتها، ظلت تدور في إطار إدارة الصراع وليس حله، في ظل تعقيدات داخلية وإقليمية متشابكة.
وتعود محدودية التأثير الدولي إلى عدة عوامل، من بينها تباين مصالح القوى الإقليمية والدولية، وصعوبة فرض حلول على أطراف محلية لا تظهر استعدادًا كافيًا لتقديم تنازلات جوهرية، إضافة إلى الطبيعة المعقدة للصراع الذي يتجاوز كونه صراعًا سياسيًا تقليديًا إلى صراع متعدد الأبعاد.
سيناريوهات مفتوحة أمام مستقبل غامض
في ظل المعطيات الحالية، لا يبدو أن هناك أفقًا قريبًا لحل شامل ينهي حالة الانسداد السياسي في اليمن. فالسيناريوهات المطروحة تبقى في إطار إدارة الوضع القائم، سواء عبر تهدئات مؤقتة أو تفاهمات جزئية أو مبادرات محدودة.
لكن غياب تغيير جوهري في موازين القوة أو في طبيعة التعاطي السياسي مع الأزمة يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية دائمة. فكل تقدم سياسي يظل هشًا ما لم يستند إلى تحول حقيقي في بنية الصراع نفسها.
من يدفع الكلفة… سؤال مفتوح وإجابة حاضرة
في نهاية المشهد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا ليس حول أسباب تعثر الحل السياسي، بل حول من يتحمل كلفة هذا التعثر المستمر. والإجابة، وفق الواقع الملموس، لا تحتمل الكثير من التأويل، إذ يتحمل الشعب اليمني العبء الأكبر لهذا الجمود بكل أبعاده الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
فكل يوم يمر دون تسوية سياسية او حسم عسكري لاسقاط الانقلاب الحوثي يعني مزيدًا من التدهور في حياة الناس، ومزيدًا من الاستنزاف لمواردهم، ومزيدًا من تعقيد مستقبلهم.
ومع استمرار هذا الوضع، تتحول الأزمة من حدث سياسي إلى واقع يومي دائم، يصعب الخروج منه دون كلفة عالية.
بين واقع مسدود وأفق لا يزال مؤجلًا
يبقى اليمن اليوم أمام مشهد سياسي مغلق، تتداخل فيه عوامل القوة مع تعقيدات الداخل والخارج، وتغيب فيه الإرادة القادرة على تحويل الصراع إلى تسوية.
وبين انسداد الأفق واستمرار المعاناة، يبقى الأمل حسب تصريحات المبعوث الأممي إلى اليمن مؤخراً معلقًا على إمكانية إعادة صياغة المسار السياسي على أسس جديدة، تتجاوز منطق الغلبة نحو منطق الشراكة، بينما تري الحكومة الشرعية اليمنية والقوى السياسية والحزبية ومعظم اليمنيين ان المسار والتسويات السياسية مع مليشيات الحوثي ما هو الا مضيعة للوقت كونها مليشيات وليست طرفا سياسيا يمكن ابرام التسويات السياسية والشراكة الوطنية معها.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال قائمًا، وسيظل الواقع يكتب إجابته اليومية: من يدفع كلفة الجمود؟ والإجابة، كما يبدو، ما زالت تُكتب بوجع اليمنيين كل يوم.