تحليل: قراءة في الحسابات الحوثية.. دوافع الانخراط المباشر في حرب الشرق الأوسط ومساراته
مع دخول حرب الشرق الأوسط شهرها الثاني، انخرطت مليشيا الحوثي المدعومة من إيران في اليمن في مسار التصعيد عبر استهداف إسرائيل، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول حدود هذا الانخراط ومساراته المحتملة.
وفي هذا السياق، يستعرض أحمد ناجي، الباحث اليمني في مجموعة الأزمات الدولية، محددات القرار الحوثي والعوامل التي تحكم حساباته الاستراتيجية.
وفي معرض الإجابة عن تساؤلات متصاعدة في الأوساط اليمنية والدولية بشأن دوافع هذا التدخل وتوقيته، يقدم ناجي قراءة تحليلية معمقة لجذور القرار، مستنداً إلى تقدير نشرته مجموعة الأزمات الدولية.
ويشير التحليل إلى أن المؤشرات منذ اندلاع الحرب كانت توحي بأن مليشيا الحوثي لا تعتزم البقاء خارج الصراع، إلا أن توقيت دخولها عكس قراراً محسوباً جرى تنسيقه مع طهران. وبحسب القراءة ذاتها، لم يكن السؤال لدى الجماعة ما إذا كانت ستنضم إلى المواجهة، بل متى ستفعل ذلك.
ووفق التحليل، اعتمدت إيران استراتيجية تقوم على إطالة أمد الاستنزاف، عبر توسيع نطاق العمليات تدريجياً واستخدام أدواتها على مراحل.
وفي هذا الإطار، بدا أن مليشيا الحوثي اعتبرت لفترة أن التحركات الإيرانية- من استهداف إسرائيل والمصالح الأمريكية إلى التهديد بإغلاق مضيق هرمز- كافية لتحقيق توازن الردع. وروّجت وسائل إعلامها لصورة تفوق إيراني، ما قلل الحاجة إلى تدخل مباشر. ومع ذلك، ظل خيار التدخل مطروحاً لديها، خصوصاً في حال تراجع موقع طهران ميدانياً.
البحر الأحمر يمثل ورقة ضغط
ومع تصاعد الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، بدا أن المليشيا الحوثية رأت في اللحظة الراهنة فرصة مناسبة للتحرك.
ففي 28 مارس، أطلقت صاروخاً باتجاه إسرائيل، متجاوزة مرحلة التهديد إلى التنفيذ، ومعلنة عزمها الاستمرار حتى وقف ما تصفه بـ“العدوان” على إيران وحلفائها.
ويعكس توقيت هذا التدخل بعدين رئيسيين: الأول يرتبط بمحاولة دعم الموقف التفاوضي الإيراني في ظل حديث متزايد عن مسار دبلوماسي محتمل، حيث يسهم فتح جبهة إضافية في رفع كلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها.
أما الثاني، فيتصل بالرد على تصاعد التهديدات لإيران، بما في ذلك سيناريوهات عمليات عسكرية أوسع أو تدخل أطراف إقليمية.
وقد عبّرت مليشيا الحوثي عن هذه المقاربة في بيان صدر قبيل الهجوم بساعات، حددت فيه شروط تدخلها، ومنها توسع الحرب أو استهداف إيران من البحر الأحمر.
ويحمل اختيار إسرائيل كهدف أولي دلالة استراتيجية، إذ يعكس محاولة لإظهار القدرة العسكرية دون خرق مباشر للتفاهمات القائمة مع واشنطن بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر. فمنذ حرب غزة، شكّل هذا الممر البحري ساحة ضغط رئيسية، حيث استهدف الحوثيون السفن المرتبطة بإسرائيل، ما دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ عمليات عسكرية لردعهم، قبل التوصل إلى تفاهم في مايو 2025 يقضي بوقف متبادل للهجمات، دون أن يشمل إسرائيل.
ورغم الهدوء النسبي، لا يزال البحر الأحمر يمثل ورقة ضغط كامنة، إذ يمتلك الحوثيون القدرة على تعطيل حركة التجارة الدولية، خصوصاً في قطاع الطاقة، وهو تأثير يتضاعف مع التوتر في مضيق هرمز. وقد تحوّل هذا التهديد من أداة ردع إلى أداة ضغط فعلية في سياق التصعيد الحالي.
وعلى الرغم من تقاطع أهداف الحوثيين مع إيران، فإن حساباتهم لا تخلو من اعتبارات خاصة. فهم يدركون أن الانخراط في الحرب يعرضهم لضربات مباشرة، لكنهم في المقابل يرون أن البقاء خارجها قد يضعف حليفهم الرئيسي، بما يهدد تدفق الدعم العسكري والاستخباراتي.
وبذلك، يسعى الحوثيون إلى إدارة تصعيد محسوب، يتيح لهم دعم إيران دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع الاحتفاظ بأدوات ضغط مؤثرة، أبرزها التهديد البحري، إلا أن هذا النهج يطرح تساؤلات حول سقف التصعيد الذي هم مستعدون لبلوغه.
مخاطر مزدوجة
وفيما يتعلق بقدراتها العسكرية، يشير التحليل إلى أن الجماعة، رغم تعرضها لضربات مكثفة بين عامي 2023 و2025، لا تزال تحتفظ بقدرات هجومية معتبرة. فقد استهدفت الغارات الأمريكية والإسرائيلية بنيتها العسكرية، لكنها لم تقضِ عليها بالكامل، خاصة مع اعتمادها على تكتيكات التمويه والانتشار في تضاريس صعبة.
وواصلت تطوير قدراتها في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يتيح لها الاستمرار في تهديد الملاحة الدولية.
وفي موازاة ذلك، عملت الجماعة على إعادة بناء قدراتها منذ نهاية حرب غزة، عبر توسيع الإنتاج المحلي وتعزيز شبكات التهريب المرتبطة بإيران. وتشير معطيات ميدانية إلى تكثيف تدريباتها العسكرية قبيل التصعيد الأخير، في مؤشر على استعداد مسبق لمرحلة جديدة من المواجهة.
ومع دخولها الحرب، تواجه الجماعة معادلة معقدة تتعلق بتداعيات هذا القرار على علاقاتها الإقليمية، خصوصاً مع الولايات المتحدة والسعودية. فالتصعيد قد يهدد التفاهمات القائمة، سواء تلك المرتبطة بأمن الملاحة أو الهدنة غير الرسمية مع الرياض، والتي أسهمت في خفض وتيرة الصراع منذ عام 2022.
وتبرز في هذا السياق مخاطر مزدوجة تتمثل في انهيار التفاهمات مع واشنطن، وتفاقم الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات، في ظل هشاشة الوضع المالي للمليشيا المدعومة من إيران.
كما أن تبرير التصعيد داخلياً قد يكون أكثر تعقيداً مقارنة بفترة حرب غزة، حيث كان العامل الفلسطيني حاضراً بقوة في الخطاب التعبوي.
ولمواجهة هذا التحدي، تعمد مليشيا الحوثي إلى ربط دعمها لإيران بالقضية الفلسطينية، وتقديم العلاقة بين الطرفين كتحالف استراتيجي ممتد، في محاولة للحفاظ على التأييد الشعبي.
السعودية لاعب حذر
في المقابل، تبقى السعودية لاعباً حذراً في هذه المعادلة، إذ تسعى لتجنب الانجرار إلى مواجهة جديدة، مع الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة. غير أن أي تصعيد يستهدف مصالحها قد يدفعها إلى إعادة الانخراط عسكرياً، ما يهدد بنسف مسار التهدئة الهش.
أما على مستوى التصعيد المحتمل، فمن المرجح أن يتبع الحوثيون نهجاً تدريجياً، يبدأ بتكثيف الهجمات على إسرائيل، وقد يمتد إلى استهداف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وصولاً إلى ضرب أهداف إقليمية إذا اتسع نطاق الحرب.
ورغم ذلك، تظل قدراتهم مقيدة بمخزوناتهم العسكرية وبمدى استمرار الدعم الإيراني، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على طهران. ومع أي تراجع في خطوط الإمداد، قد يواجه الحوثيون صعوبات في الحفاظ على وتيرة العمليات.
وأشار التحليل إلى أن قرار مليشيا الحوثي دخول الحرب يعكس مزيجاً من حسابات الردع والبقاء، حيث اختارت تحمل كلفة التصعيد المباشر تفادياً لمخاطر أكبر على المدى المتوسط.
ويرى التحليل أن مسار هذا الخيار سيظل رهناً بتطورات الصراع الإقليمي، وبقدرتهم على موازنة المخاطر مع المكاسب في بيئة شديدة التعقيد.