هكذا استقبل اليمنيون شهر رمضان في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي

في مناطق سيطرة مليشيا الانقلاب الحوثي، حلّ شهر رمضان هذا العام مثقلاً بأعباء معيشية وإنسانية غير مسبوقة، وسط مشهد اقتصادي متدهور، وواقع اجتماعي مأزوم، وشعور عام بالخذلان.

لم يكن استقبال الشهر الفضيل كما اعتاده اليمنيون عبر عقود، إذ غابت مظاهر الفرح والبساطة التي كانت تميّز الطقوس الرمضانية، وحلّ محلها القلق من الغد، والخوف من الفاقة، وانتظار أخبار المغيّبين خلف أسوار السجون.

رمضان الذي كان موسم تكافل وتراحم، أصبح لدى شريحة واسعة من اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين موسماً لاستحضار الأزمات المتراكمة، من انقطاع الرواتب، إلى تراجع فرص العمل، وصولاً إلى تضييق الخناق على المبادرات الخيرية التي كانت تمثل متنفساً إنسانياً في ظل الظروف الإنسانية المتفاقمة.

انقطاع الرواتب وتصريحات صادمة تشعل الاستياء

لا يزال ملف الرواتب أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على حياة ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين. موظفون في قطاعات مدنية وتعليمية وصحية يعيشون منذ سنوات بلا مرتبات منتظمة، معتمدين على أعمال هامشية أو مساعدات محدودة لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

ومع حلول رمضان، عاد هذا الجرح المفتوح إلى الواجهة، خاصة بعد التصريح المثير للجدل الذي أدلى به وزير المالية في حكومة الانقلاب بصنعاء غير المعترف بها دولياً، حين قال في رده على مطالبة الموظفين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي إن “ما يخلق المعدوم إلا الله”، في رد أكد على نطاق واسع تنصلاً من المسؤولية تجاه الموظفين المنقطعة رواتبهم.

التصريح أثار موجة غضب وانتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى كثيرون أنه يعكس استخفافاً بمعاناة المواطنين الذين ينتظرون منذ سنوات حلاً عملياً لا خطابات تبريرية.

اقتصادياً، انعكس انقطاع الرواتب على حركة الأسواق في رمضان. فقد تراجعت القدرة الشرائية بشكل ملحوظ، وخلت كثير من الموائد من أصناف كانت تُعدّ تقليدية في الشهر الكريم. تجار في صنعاء وإب وذمار وغيرها تحدثوا عن ضعف غير مسبوق في الإقبال مقارنة بأعوام سابقة، مؤكدين أن معظم الزبائن يكتفون بالضروريات، بينما تُؤجَّل الكماليات إلى أجل غير معلوم.

احتكار العمل الخيري وتراجع المبادرات المجتمعية

لطالما شكّل شهر رمضان في اليمن موسماً سنوياً تتكاثر فيه المبادرات المجتمعية، من موائد إفطار جماعية، إلى توزيع سلال غذائية، وكفالات أيتام، ومشاريع زكاة تنفذها جمعيات خيرية وتجار ورجال أعمال بشكل مباشر في الأحياء والقرى.

غير أن هذا العام شهد تراجعاً ملحوظاً في حجم تلك المبادرات في مناطق سيطرة الحوثيين، وفق ما أكده ناشطون وعاملون في القطاع الإنساني.

ويعزو كثيرون ذلك إلى القيود المفروضة على العمل الخيري، واشتراط تمرير التبرعات عبر قنوات خاضعة لإشراف المليشيا، إضافة إلى تضييق   طال كثيراً من رواد العمل الإنساني الذين اعتادوا تنفيذ مشاريع مستقلة بعيداً عن الأطر الرسمية التابعة للمليشيا.

هذا الواقع خلق فجوة إنسانية واضحة. أسر كثيرة كانت تعتمد على السلال الغذائية الرمضانية وجدت نفسها هذا العام خارج قوائم المستفيدين، أو في مواجهة إجراءات معقدة للحصول على مساعدة.

كما تحدث تجار عن امتناعهم من تنفيذ مبادرات واسعة خشية التعرض للمساءلة أو فرض إتاوات.

في المقابل، يرى مراقبون أن احتكار العمل الخيري يُفقده روحه المجتمعية، ويحوّله من فعل تضامني طوعي إلى أداة نفوذ، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المجتمع بالجهات المشرفة عليه.

طقوس دينية متغيرة وهوية رمضانية تحت التحول

رمضان في اليمن كان تقليدياً شهراً ذا طابع اجتماعي وروحي متوازن، تمتزج فيه العادات الشعبية بالعبادات، من التراويح والقيام، إلى مجالس الذكر، وأصوات حلقات حفاظ القرآن الكريم، وموائد الإفطار الجماعية في الأحياء. غير أنه لوحظ تغيراً في المشهد الديني في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث طغت خطابات ذات طابع مذهبي وسياسي على منابر  المساجد.

ويشير مراقبون إلى أن المساجد تحولت في  المناطق التي تسيطر عليها مليشيات الحوثي إلى منصات لترويج خطابات عبدالملك الحوثي وملازم شقيقه الهالك، ما أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة الدور الديني للمسجد وحدوده.

ويرى أكاديميون، أن  محاولة إعادة تشكيل الوعي الديني للمجتمع في سياق طائفي يعد جريمة تستهدف الدين الإسلامي والثقافة الدينية لليمنيين، مؤكدين أن شهر رمضان يفترض أن يكون مساحة جامعة، تتراجع فيها الاستقطابات لصالح قيم الرحمة والتكافل.

في المقابل، تنفي مليشيات الحوثي وجود تطييف ممنهج، ويعتبرون أن ما يجري هو إحياء لثقافة دينية يرون أنها جزء من هويتهم.

غير أن الحقيقة تظل قائمة من خلال الفكر الخميني الطائفي ظاهر وجلي في كل أنشطة وفعاليات وأدبيات المليشيا.

أسر بين موائد خاوية وانتظار خلف القضبان

في بيوت كثيرة داخل صنعاء وعمران وصعدة وإب وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لا يكتمل المشهد الرمضاني بغياب أحد أفراد الأسرة، إما بسبب الاختطاف أو الإخفاء القسري أو الاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمة عادلة.

أمهات وآباء وزوجات يستقبلون الشهر الفضيل بدموع وقلق دائم، ينتظرون خبراً عن أبنائهم أو أزواجهم المغيبين في السجون، بعضهم مضى على احتجازه سنوات، بينما لا تزال أسرهم تجهل مصيرهم أو ظروف احتجازهم.

في مثل هذه البيوت، يتحول أذان المغرب إلى لحظة ألم مضاعف، حيث يجلس أفراد الأسرة إلى مائدة ينقصها مقعد، ويغيب عنها صوت اعتادوا سماعه كل رمضان.

تقول ابنة أحد المختطفين في إب، إن “رمضان لم يعد له طعم منذ اختطاف والدها، كل شيء ناقص”.

منظمات حقوقية وثّقت مئات حالات الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري خلال منتصف العام المنصرم 2025م، مطالبة بالإفراج عن المختطفين وضمان محاكمات عادلة وشفافة. ومع كل رمضان جديد، تتجدد الدعوات لإغلاق هذا الملف الإنساني الذي يثقل كاهل آلاف الأسر.

بين الصبر والاحتقان.. مجتمع يبحث عن أفق

رغم كل ذلك، لا يزال اليمنيون في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يحاولون التمسك ببعض مظاهر الحياة. أسواق شعبية بسيطة، موائد متواضعة، جلسات عائلية مختصرة، كلها تعكس رغبة في مقاومة القهر اليومي ولو بحدوده الدنيا.

غير أن هذا الصبر لا يخفي حالة احتقان اجتماعي تتنامى بصمت. فالموظف بلا راتب، والتاجر المثقل بالقيود، والأسرة التي فقدت معيلها أو أحد أبنائها، جميعهم يشتركون في شعور عميق بانعدام اليقين.

ومع استمرار الانقلاب الحوثي الذي يضاعف من معاناة اليمنيين، يبدو أن رمضان هذا العام ليس سوى محطة جديدة في مسار معاناة ممتدة.

يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع على الصمود في ظل تآكل الموارد، وتراجع المبادرات المستقلة، وتسييس المجال الديني، واستمرار ملف المختطفين بلا حل جذري. وفيما يرفع اليمنيون أكفّ الدعاء في ليالي الشهر الفضيل، يأمل كثيرون أن يكون رمضان القادم مختلفاً، يحمل معه انفراجة في الرواتب، ومساحة أوسع للعمل الخيري، ومساجد جامعة لا مفرّقة، وأبواب سجون تُفتح ليعود الغائبون إلى موائدهم.

إلى أن يتحقق ذلك، سيظل رمضان في مناطق سيطرة الحوثيين موسماً تختلط فيه العبادة بالألم، والصبر بالمرارة، والدعاء بأمنيات الحرية والكرامة.