وثائق رسمية تكشف: تلوث جرثومي وبرازي يضرب الحوض المائي لمدينة إب (تقرير)

محافظة إب، المعروفة بـاللواء الأخضر، لم تكن مجرد مساحة جغرافية تتزين بالخضرة والجبال الشاهقة، بل عُرفت تاريخياً بأنها واحدة من أهم الخزانات الطبيعية للمياه العذبة في اليمن.

على مدى عقود، اعتمد السكان على مياهها الجوفية التي تتدفق من أعماق الأرض نقية وصالحة للشرب، كما شكّلت هذه الموارد المائية أساساً للحياة الزراعية التي اشتهرت بها المحافظة.

غير أن هذه الصورة التي ارتبطت بإب كمحافظة غنية بالمياه العذبة بدأت تتصدع خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد التحذيرات من تلوث الحوض المائي الذي يغذي المدينة ومحيطها.

واليوم، تكشف وثائق رسمية نشرها ناشطون، وحصلت وكالة خبر على نسخها منها، عن معطيات صادمة تشير إلى اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، في مشهد يهدد بتحويل اللواء الأخضر إلى بؤرة كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة.

تلوث جرثومي وبرازي شامل

التقرير الفني الرسمي، الذي اطلعت عليه وكالة خبر، يتضمن نتائج مخبرية لسبع عينات مياه تم سحبها من آبار الحوض المائي الرئيسة المغذية لمدينة إب. النتائج جاءت صادمة، حيث أظهرت تلوثاً جرثومياً كلياً في جميع العينات السبع دون استثناء، ما يعني أن شبكة الإمداد المائي بأكملها معرضة للتلوث البيولوجي.

الأخطر من ذلك، أن ست عينات أظهرت وجود بكتيريا القولون البرازية، وهو مؤشر علمي مباشر على اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي.

هذه النتيجة لا تحتمل التأويل، إذ تؤكد وجود تسرب فعلي للمياه العادمة إلى الحوض الجوفي.

كما كشفت التحاليل الكيميائية عن ارتفاع مستوى الفوسفات إلى 1.59 ملجم لكل لتر، متجاوزاً الحد الطبيعي، إضافة إلى ارتفاع ملحوظ في نسب الحديد والأملاح الذائبة.

هذه المؤشرات الكيميائية، إلى جانب التلوث الجرثومي، تضع المياه في دائرة الخطر الصحي طويل الأمد، خاصة في ظل الاستهلاك اليومي لها من قبل السكان.

محطة المعالجة.. الخلل البنيوي المستمر

الوثائق تشير بوضوح إلى أن محطة معالجة الصرف الصحي تعمل فوق طاقتها الاستيعابية بأضعاف مضاعفة، ما يؤدي إلى تصريف مياه عادمة غير معالجة أو شبه معالجة إلى مجرى السائلة، ومنها إلى المناطق الزراعية والحوض المائي.

مصادر فنية تؤكد أن استمرار هذا الوضع دون تطوير حقيقي للبنية التحتية أو توسيع المحطة يمثل خللاً هيكلياً في إدارة القطاع، ويحول المحطة من منشأة يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن البيئة إلى مصدر خطر مباشر.

الجهات المعنية تتحدث عن خطط مستقبلية للتوسعة، غير أن الواقع الميداني يكشف أن التسرب مستمر، وأن مياه المجاري لا تزال تجد طريقها إلى الأحواض والكريفات والآبار التي تغذي المدينة.

شكوى أهالي دار العلفي.. شهادات من قلب المعاناة

في موازاة الوثائق الرسمية، تقدم عدد من أهالي منطقة دار العلفي، الواقعة بمحاذاة خط السائلة بمدينة إب، بشكوى تتهم مؤسسة المياه والصرف الصحي بالتسبب في انتشار الأمراض بينهم نتيجة تصريف مياه الصرف الصحي من محطة المعالجة إلى مجرى السائلة دون معالجة كافية.

السكان يؤكدون أنهم يعيشون بالقرب من مجرى المياه العادمة، وأن حالات الإصابة بالأمراض السرطانية وأمراض القلب والاختناقات والمشكلات التنفسية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

كما أشاروا إلى أن المياه المتدفقة من السائلة تتسرب إلى الكريفات والأحواض المائية، ومنها إلى الآبار التي تغذي محافظة إب، في وقت يستخدم فيه بعض المزارعين هذه المياه لري المزروعات.

الشكوى لم تقتصر على تحميل المسؤولية للمزارعين الذين يستخدمون المياه الملوثة في الري، بل وجهت أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى مؤسسة المياه والصرف الصحي والمجلس المحلي  بالمحافظة، باعتبارهما الجهتين المسؤولتين عن الإشراف والرقابة ومنع أي تصريف غير آمن.

وتساءل الأهالي بمرارة: إذا كانت هذه المياه تصل إلى الأحواض والآبار، فمن يتحمل مسؤولية الأمراض التي تصيب المواطنين؟ ومن هي الجهة التي يلجأ إليها مرضى السرطان في إب لتقديم شكواهم؟

مصادر محلية أشارت كذلك إلى أن عدداً من موظفي مؤسسة المياه يمتلكون أراضي زراعية يتم ريها بمياه الصرف الصحي، وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول تضارب المصالح وضعف الرقابة.

خرائط الخطر.. الحوض المائي تحت التهديد

الخرائط الفنية المرفقة بالتقرير الرسمي توضح أن الآبار المتضررة تقع ضمن نطاق يغذي أحياء واسعة من مدينة إب ومناطقها المحيطة. ويظهر التحليل الهيدرولوجي أن مسار المياه العادمة يسمح بتسربها تدريجياً إلى الطبقات الجوفية، ما يهدد الحوض المائي بأكمله.

هذا الامتداد الجغرافي للتلوث يعني أن التأثير لا يقتصر على حي بعينه أو منطقة محدودة، بل يمتد ليشمل مئات الآلاف من السكان الذين يعتمدون على نفس المصدر المائي.

الخبراء يحذرون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تدهور دائم في جودة المياه الجوفية، وهو ما يتطلب سنوات طويلة وكلفة مالية ضخمة لمعالجته، إن أمكن ذلك.

تداعيات صحية متفاقمة

في ظل هذه المعطيات، تتصاعد المخاوف من العلاقة بين تلوث المياه وانتشار أمراض مزمنة في المحافظة، بينها الفشل الكلوي وتليف الكبد وبعض أنواع السرطان والإسهالات المائية الحادة، حيث تحتل المحافظة معدلاً كبيراً بالإصابة بهذه الأمراض على مستوي اليمن.

ورغم عدم صدور إحصاءات رسمية تربط بشكل مباشر بين التلوث وهذه الأمراض، إلا أن المعطيات العلمية تؤكد أن استهلاك مياه ملوثة ببكتيريا برازية ومواد كيميائية لفترات طويلة يزيد من احتمالية الإصابة بمضاعفات صحية خطيرة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

مسؤولية قانونية وأخلاقية

خاتمة التقرير الفني الرسمي نصت صراحة على أن مصدر التلوث هو مياه صرف صحي، وهو ما يضع الجهات المعنية في محافظة إب أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة. فالمياه الآمنة حق أساسي من حقوق الإنسان، وأي إخلال به يفتح الباب أمام مساءلة إدارية وقانونية.

أمام هذه المعطيات، يطالب سكان إب بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم خبراء بيئيين وصحيين، وإجراء فحوصات دورية شفافة للمياه، ونشر نتائجها للرأي العام، إلى جانب اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف أي تصريف غير معالج للمياه العادمة.