الصُّورة.. ميثاقُ الطِّين والذَّاكِرة

منذ انبلاج الضوء الأول، وأنا في سفرٍ كونيٍّ لا ينقطع؛ أفتّش عن “الأنا” الغارقة في طبقات الغياب، وأنقّب عن ملامحنا الضاربة في عُمق الزمن، كما يستنطق باحثٌ صبور سطراً عصيّاً في مخطوطةٍ سبئيةٍ يتوسدها القِدم ولم تُرهقها الحقيقة.

لم أكن عابرَ أمكنة، بل مستعيد ذاكرة.

 لم أُحدّق في الجغرافيا بقدر ما أنصتُّ للتاريخ وهو يتنفّس من حولي وفي كل اتجاهاتي.

ارتديتُ مِأزري اليمني، وتوسّدتُ خنجري الصَّيفاني، وفي جِرابي كومةُ أوراق، وفي إصبعي فصٌّ من عقيق الأرض، وبين أناملي ريشةٌ ومداد؛ كأنهما مفاتيحُ زمنٍ يأبى الأفول ويقاوم النسيان.

عبرتُ بوابات الزمن من سام صنعاء، واستنطقتُ أطلال سبأ وقَتبان، وناجيتُ أرواح كهلان وحِمير.

في محراب بلقيس أدركتُ أن العروش لم تكن تقوم على الجواهر والذهب، بل تتوضأ بالحكمة قبل أن تنطق بالحُكم. 

وفي كنف أروى لمستُ كيف يُصاغ العدلُ عمراناً وكيف تتحول السياسة إلى أخلاقٍ مشيّدة بالحجر والمعنى.

تنقّلتُ بين أزال؛ مشكاة حَوت كل فن، وجِبْلة الصُّليحية، وزبيد الأشعرية، وصولاً إلى حضرموت الغنّاء، والعامرية في البيضاء الطاهرية.

هناك، كان كل جبلٍ يهمس بملحمة، وكل سهلٍ يبسط سجلاً من المعنى لا تضاهيه كنوز الأرض.

لم تكن المدن وحدها حرّاس التاريخ؛ بل كانت ركاب الخيالة والجوالة رُسل الهوية غير المعلنين، أحفاد البيعة والحمية، يحملون البنّ والعسل والدفوف، ويمشون بين التضاريس كفكرةٍ تنتقل من جيلٍ إلى جيل.

ومن بين جدران البيوت الطينية التي تتنفس دفئ الإنتماء، انثال إليّ الدّان الحضرمي؛ لم يكن غناءً فحسب، بل فلسفةً موزونة، تعيد للوقت إيقاعه الفطري، وتسكب في الروح سكينةً لا تخطئ وجهتها.

وفي يوم جمعةٍ مهيب، قصدتُ جامع الجند بتعز؛ الصرح الذي أرسى قواعده الصحابي معاذ بن جبل، ليكون أول منارة هدى في هذه الأرض الالين قلوباً والأرق أفدةً. 

ارتقى المنبر خطيبٌ بعمامةٍ قحطانيةٍ ووقارٍ راسخ، يرجّع صدى الوصايا الأولى بعقدٍ من السكينة واليقين.

وحين انقضت الصلاة، دنا مني رجلٌ وقور، في عينيه بريق الأرض وصفاء الأجداد. صافحني بابتسامةٍ يمنيةٍ أصيلة، وقال:

«يا ضيف البلاد، ما غداء الغريب إلا في دار أهله».

كان ذاك علي ولد زايد؛ حكيم الأرض، وسيد الحكمة الشعبية، الذي سارت بأقواله القوافل، وعُرفت به مواسم الغيث والزرع.

في منزله الطيني المفتوح للضوء، لم يُطعم جسدي من خيرات الأرض فحسب، بل أشبع روحي بتجربته.

سألته عن سر الصمود في زمن الصور المتسارعة، فقال بوقار:

«يا بُني، عزّ البلاد في عِمارها، وعزّ الرجال في ثبات أقوالها، ومن ضيّع ملامح تراثه تاه في زحام الصور، وعزّ القبيلي بلاده ولو تجرّع وباءها».

ومضيتُ، فإذا بهودجٍ ينشق من فجر التاريخ، تتجلّى منه بلقيس؛ والشمس عند خصرها ليست استعارةً شعرية، بل بصيرةٌ متوّجة، هي العرش الحقيقي لكل ملكة.

ثم تهادى هودجٌ آخر، يحمل البنّ هوية، والعسل ذاكرة، والقصائد وثائق، ومن خدره أطلت أروى؛ الوقار في محيّاها، والعدل ممتداً في كل دربٍ من دروب البناء التي شقّتها.

وفي محراب جامع الملكة أروى، ذاتها اكتملت ملامح الصورة.

رأيتُ ابنتي جود، متدثرةً بثياب التراث العريقة، تعبق بمشاقر الكاذي والفل والريحان، كاحلة العينين، كأن الطِّيب اليمني اختار ملامحها ليتجسد فيها.

لم أرى فيها وجه طفلتي فحسب، بل رأيتُ البلاد، وتراثها، وذاكرتها، التي تقاوم في زمن الحرب، تتنفس في مشهدها الوديع الشامخ.

قلتُ لها بصوت القلب:

«يا جود، احملي هذا الجمال كوثيقة إقرار وتأريخ، ولا تدعي الصور تتبدد.

اجعليها ميثاقاً غليظاً بينكِ وبين هذه الأرض».

اليوم، ونحن في لُجّة الإنتشار الرقمي لعام 2026، أصبح واضحاً أن الصور لم تعد تُعادى، بل تُروَّض؛ لنحمي رموزنا من الإبتذال، وقيمنا من التحوّل إلى ملصقاتٍ عابرة بلا روح.

إن الحفاظ على التراث ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وجودية ودرعٌ صلب لهويتنا العربية الأصيلة، وجسرٌ يصل بين أجيال الماضي والمستقبل.

من لا يرى بلقيس في بصيرته، وأروى في عدله، وعلي ولد زايد في حكمته،

ولا يرى جود امتداد هويته…

فلن يجد طريقه في متاهة الزمان، وسيظل يسافر طويلاً دون أن يصل.

في "الصورة" يبدأ الطريق، وبها يُختبر صدقنا الحضاري؛

فإمّا أن نكون حُرّاساً للمعنى والهوية،

وإمّا أن نترك التراث العربي يذوب في ضجيج عالمٍ بلا ذاكرة، ليصبح مجرد صدى باهت في زمنٍ فُقد فيه العمق وغابت فيه الجذور.