الشارع الفنزويلي بين الصدمة والترقب… شعب منقسم وقلق متصاعد بعد اعتقال مادورو
يعيش الشارع الفنزويلي منذ إعلان اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو حالة غير مسبوقة من الصدمة والذهول، إذ لم يشهد البلد حتى الآن انفجارًا شعبيًا واسعًا أو موجة احتجاجات جماهيرية بحجم الحدث، رغم خطورته السياسية والرمزية. ويعكس هذا الغياب الظاهر للحراك الجماهيري حالة إنهاك عام أصابت المجتمع الفنزويلي بعد سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والعقوبات والاضطرابات السياسية، جعلت المواطن العادي أكثر انشغالًا بتأمين احتياجاته اليومية من الغذاء والخدمات الأساسية، وأقل استعدادًا للدخول في مواجهات مفتوحة في الشارع.
في الأحياء الشعبية للعاصمة كراكاس وعدد من المدن الكبرى، يسود هدوء حذر، لا يعكس بالضرورة قبولًا بما جرى، بقدر ما يعكس خوفًا من المجهول وترقبًا لما ستؤول إليه الأوضاع خلال الأيام القادمة. مواطنون كثر عبّروا عن شعورهم بأن ما حدث أكبر من قدرتهم على الفهم أو التأثير، وأن البلاد دخلت مرحلة ضبابية لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
انقسام شعبي حاد بين الرفض والتأييد الحذر
رغم غياب الاحتجاجات الكبرى، إلا أن المزاج الشعبي الفنزويلي يبدو منقسمًا بعمق. فشريحة من المواطنين، خصوصًا في أوساط الشباب والمعارضين التقليديين لحكم مادورو، عبّرت عن ارتياح حذر لاعتقاله، معتبرة أن الرجل يتحمل مسؤولية سنوات من التدهور الاقتصادي والفساد والعزلة الدولية. غير أن هذا الارتياح لا يصل إلى مستوى الاحتفال، إذ يرافقه خوف واضح من أن يكون الثمن سيادة البلاد واستقرارها.
في المقابل، يرى أنصار مادورو والتيارات القومية واليسارية أن ما جرى يمثل إهانة وطنية كبرى واختطافًا لرئيس دولة بالقوة، وانتهاكًا مباشرًا لكرامة فنزويلا واستقلال قرارها. هؤلاء يعبّرون عن غضبهم عبر بيانات ومواقف إعلامية وتجمعات محدودة، معتبرين أن الصمت الشعبي لا يعني الرضا، بل يعكس حجم القمع والقلق والخشية من الانزلاق إلى فوضى شاملة.
الخوف الاقتصادي يتقدم على السياسة
أحد أبرز ملامح رد الفعل الشعبي اليوم هو أن الاقتصاد يتقدم على السياسة في سلم أولويات المواطن الفنزويلي. المخاوف من ارتفاع جديد في الأسعار، أو نقص الوقود والمواد الغذائية، أو اضطراب الخدمات العامة، هي الهاجس الأكبر في الشارع. كثير من العائلات سارعت إلى تخزين المواد الأساسية، فيما شهدت بعض المتاجر طوابير شراء بدافع القلق، لا بدافع التعبئة السياسية.
ويرى محللون محليون أن هذا السلوك يعكس فقدان الثقة العميق لدى المواطن في قدرة أي سلطة، حالية أو قادمة، على حمايته من الانهيار المعيشي، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بمستقبل النظام السياسي بعد اعتقال مادورو، وعدم وضوح شكل المرحلة الانتقالية.
وسائل التواصل الاجتماعي كساحة الصراع الأساسية
في ظل هدوء الشارع نسبيًا، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى الساحة الرئيسية للتعبير الشعبي. وامتلأت المنصات الفنزويلية بآلاف المنشورات التي تعكس حالة الانقسام الحاد بين من يصف ما جرى بأنه تحرير، ومن يراه غزوًا واختطافًا. كما انتشرت مقاطع مصورة وشهادات فردية، بعضها موثق وبعضها مشكوك في صحته، ما زاد من حالة الارتباك المعلوماتي.
وتشير قراءات إعلامية إلى أن هذا الفضاء الرقمي بات يعوض غياب التنظيمات الشعبية القادرة على الحشد، لكنه في الوقت نفسه يعكس حالة التفكك وغياب القيادة الموحدة القادرة على ترجمة الغضب أو الرضا الشعبي إلى فعل سياسي منظم.
قلق أمني وهاجس الفوضى
في عدد من المناطق، خصوصًا خارج العاصمة، تسود مخاوف من تدهور الوضع الأمني، سواء نتيجة فراغ السلطة أو احتمال اندلاع صدامات بين أنصار الحكومة والمعارضة. ورغم عدم تسجيل انفلات أمني واسع حتى الآن، إلا أن حالة القلق واضحة، خاصة مع انتشار شائعات عن تحركات عسكرية أو ميليشياوية محتملة.
هذا القلق الأمني يفسر إلى حد كبير إحجام كثير من المواطنين عن النزول إلى الشارع، إذ يفضّل معظمهم البقاء في منازلهم ومراقبة التطورات عن بُعد، خشية أن تتحول أي مظاهرة إلى مواجهة دموية غير محسوبة.
الشعب في موقع الانتظار لا الحسم
في المحصلة، يمكن القول إن الشعب الفنزويلي يقف اليوم في موقع الانتظار أكثر من كونه في موقع الفعل. انتظار لما ستعلنه الحكومة المؤقتة، وانتظار لموقف الجيش، وانتظار لما ستقرره القوى الدولية، وانتظار لما إذا كانت البلاد ستتجه نحو تسوية سياسية أو نحو مرحلة أكثر اضطرابًا.
هذا الانتظار المشوب بالخوف والانقسام يعكس عمق الأزمة الفنزويلية، ويؤكد أن اعتقال مادورو، مهما كانت المواقف منه، لم يقدّم حتى الآن إجابة واضحة للفنزويليين عن سؤالهم الأساسي كيف سيعيشون غدًا وفي أي دولة سيستيقظون.