المشهد الثقافي في مناطق سيطرة الحوثي.. انحدار من الوعي إلى الخرافة
لم يكن المشهد الثقافي في اليمن، قبل انقلاب مليشيا الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة، هامشياً أو عابراً، بل شكّل على الدوام أحد أعمدة الوعي الوطني، ومساحة رحبة للتنوير، والحوار، وصناعة المعنى في مجتمع أنهكته الصراعات السياسية والاجتماعية.
غير أن هذا المشهد، وفي مناطق سيطرة المليشيا تحديداً، تعرض لعملية تدمير ممنهجة، لم تقتصر على الإهمال أو التهميش، بل اتخذت طابع الاستهداف المباشر، في سياق مشروع أيديولوجي مغلق يرى في الثقافة الحرة خطراً وجودياً، وفي المثقف المستقل خصماً لا بد من إقصائه أو إخضاعه.
الثقافة بوصفها تهديداً للمشروع الحوثي
تعاطت مليشيات الحوثي مع الثقافة منذ لحظاتها الأولى كقوة مضادة لمشروعها القائم على الاصطفاء السلالي والفكر الخميني المستورد.
فالثقافة، بما تحمله من قيم التساؤل والنقد والتعدد، تتناقض جوهرياً مع خطاب الميليشيات القائم على الطاعة المطلقة والتلقي الأحادي. ومن هنا، لم يكن غياب المشهد الثقافي نتيجة ظرف طارئ، بل نتاج قرار سياسي وأمني هدفه تفريغ المجتمع من أدوات الوعي، وإعادة تشكيله وفق منظومة فكرية مغلقة.
إغلاق الفضاءات الثقافية وتجفيف منابع الإبداع
شهدت المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيا إغلاقاً واسعاً للمنتديات الثقافية والفنية والأدبية، وتوقفت الصالونات الفكرية والجلسات النقدية والصباحات الشعرية والقصصية التي كانت تشكل متنفساً حيوياً للمثقفين والمبدعين.
هذه الفضاءات لم تكن مجرد أنشطة ترفيهية، بل منصات لصناعة الرأي، وبناء الذائقة العامة، وتعزيز قيم الحوار والانفتاح الواعي. غير أن المليشيا رأت فيها بؤراً محتملة للمعارضة الفكرية، فكان الإغلاق والمنع هو الخيار الأسهل لإخماد أي صوت لا يخضع لمنطقها.
مكاتب الثقافة من رعاية الإبداع إلى هندسة الوعي القسري
تحولت مكاتب الثقافة في صنعاء وإب وذمار وعمران وغيرها من المحافظات الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي من مؤسسات رسمية معنية برعاية الفنون والآداب إلى أدوات تعبئة أيديولوجية. جرى تفريغ هذه المكاتب من مضمونها الثقافي، واستُبدلت أنشطتها بفعاليات ذات طابع تعبوي، تروّج لثقافة الكراهية، وتمجد الحرب، وتعيد إنتاج خطاب الموت بوصفه فعلاً مقدساً. لم تعد الثقافة فعلاً إنسانياً مرتبطاً بالحياة، بل أداة لتبرير القتل، وإقناع المجتمع بمشروعية الزج بأبنائه في محارق الجبهات.
من الكتاب والمسرح إلى ملزمة عبدالملك الحوثي
أحد أخطر التحولات التي أصابت المشهد الثقافي تمثلت في استبدال الإنتاج الفكري والأدبي بما يُعرف بملزمة عبدالملك الحوثي. فبعد أن كانت الساحة الثقافية تعج بالكتب، والدواوين الشعرية، والاصدارات الادبية والنقاشات الفكرية، جرى اختزال المشهد في محاضرات ودروس زعيم المليشيا، التي فُرضت على المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية باعتبارها المرجع الأوحد للفكر والمعرفة.
بهذا التحول، انتقل المجتمع من فضاء تعددي غني بالأصوات إلى خطاب أحادي مغلق، لا يسمح إلا بالتلقي والترديد، ويجرّم السؤال والاختلاف.
تغييب النخب وتحطيم الحضور الثقافي التنويري
كان للحضور الوازن للنخب الثقافية والفكرية دور محوري في تشكيل الوعي العام، غير أن هذا الحضور تعرض لعملية إقصاء منظمة. تحولت القاعات التي كانت تحتضن المثقفين إلى منصات لبث خطب ومحاضرات زعيم الانقلاب، وغاب النقاش الحر، وحل محله خطاب تعبوي مكرر. بهذا الشكل، جرى تهميش النخب، وتجريدها من دورها، وتحويل الثقافة من فعل نقدي حي إلى أداة تلقين أيديولوجي.
مطاردة الأدباء والكتاب وسياسة القمع الممنهج
لم يقتصر الاستهداف على المؤسسات والأنشطة، بل طال الأفراد أنفسهم. تعرض كثير من الأدباء والكتاب والمثقفين لحملات مطاردة واختطاف ومضايقات وتعسفات، فقط بسبب آرائهم أو مواقفهم أو كتاباتهم.. جرى استدعاء بعضهم إلى مقرات أمنية، واحتُجز آخرون لفترات متفاوتة، وتعرض كثيرون للإقصاء الوظيفي والمنع من النشر والمشاركة في أي نشاط عام.
هذه السياسة هدفت إلى كسر إرادة المثقف، وتحويله إلى كائن خائف أو صامت، أو دفعه إلى مغادرة البلاد.
الاتحاد اليمني للأدباء والكتاب بين الإظلام والمصادرة
مقرات وفروع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين لم تكن بمنأى عن هذا القمع: أُغلقت الأبواب، وجُمّدت الأنشطة، وصودرت الرسالة الثقافية للمؤسسة. وفي حالات عدة، تحولت هذه المقرات إلى مساكن لعناصر المليشيا أو مخازن تابعة لها، في مشهد يلخص مدى الانحدار الذي وصل إليه التعامل مع الرموز الثقافية. لم يعد الاتحاد فضاءً لحماية الكاتب والدفاع عن حرية الكلمة، بل مبنى مهجوراً بلا وظيفة ثقافية.
إطفاء المسرح واغتيال الفنون الجميلة
المسرح، بوصفه أحد أكثر الفنون قدرة على مساءلة الواقع وكشف تناقضاته، كان هدفاً مباشراً.. أُسدل الستار على المسارح، وتوقفت العروض، وغابت الفرق المسرحية التي كانت تناقش قضايا المجتمع بلغة فنية راقية. لم يعد المسرح مرحباً به لأنه يطرح الأسئلة ويستفز الوعي، فكان الإغلاق هو المصير، وتحولت الخشبة إلى مساحة صامتة بلا روح.
الفنون التشكيلية والمواهب الصاعدة تحت الحصار
الفن التشكيلي والغناء وكتابة القصة لم تسلم هي الأخرى من هذا التجفيف. أُلغيت المعارض، وأُغلقت ورش التدريب، وضاعت فرص المواهب الصاعدة في التطور والظهور.. كثير من الفنانين اضطروا إلى التوقف عن الإنتاج، أو العمل في الخفاء، أو مغادرة البلاد بحثاً عن فضاء يسمح لهم بالتعبير.
بهذا، خسر المجتمع طاقاته الإبداعية، وتراجعت الذائقة الجمالية لصالح خطاب تعبوي خشن.
هجرة المثقفين والانسحاب القسري من المشهد
أمام هذا الواقع القاتم، وجد كثير من المثقفين أنفسهم أمام خيارات محدودة، إما الصمت القسري، أو الهجرة، أو العزلة الكاملة.
غادر بعضهم البلاد، بينما انسحب آخرون من الحياة العامة، بعدما أصبحت الثقافة تهمة، والكتابة مخاطرة، والرأي جريمة.
هذا النزيف البشري أحدث فراغاً ثقافياً هائلاً، وأضعف قدرة المجتمع على إنتاج خطاب نقدي مستقل.
ثقافة الخرافة بدل الوعي الجمعي
ما يجري في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي ليس مجرد تراجع ثقافي، بل عملية إحلال كاملة لثقافة الخرافة والتقديس الأعمى محل الوعي الجمعي. ثقافة تقوم على تمجيد السلالة، وتقديس الحرب، وتسويق الموت، وإقصاء العقل والفن والجمال. في ظل هذا الواقع، تبدو الثقافة وقد جُرّدت من دورها الإنساني، وتحولت إلى أداة للهيمنة والسيطرة.
خاتمة المشهد الثقافي المعتم
إن اغتيال المشهد الثقافي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يمثل أحد أخطر وجوه الانقلاب، لأنه يستهدف الوعي قبل الجغرافيا، والإنسان قبل السياسة. ومع استمرار هذا النهج، تتسع الفجوة بين المجتمع وقيم التنوير، وتتعمق العتمة الفكرية.
ورغم قتامة الصورة، يظل الأمل معقوداً على استعادة الثقافة لدورها التاريخي، بوصفها فعل مقاومة، ورافعة وعي، وأداة خلاص، في مواجهة مشروع لا يرى في الإنسان إلا وقوداً لحرب لا تنتهي.