الثاني من ديسمبر… شرارة البطولة وصوت الجمهورية

تحلّ على اليمنيين اليوم الذكرى الثامنة لانتفاضة الثاني من ديسمبر، تلك اللحظة المفصلية التي ارتبطت باستشهاد الرئيس الأسبق الزعيم علي عبدالله صالح، والأمين العام عارف عوض الزوكا، ورفاقهما الذين سطّروا بدمائهم واحدة من أعظم صفحات التاريخ اليمني الحديث. لم تكن تلك الانتفاضة حدثًا عابرًا، بل كانت فعلًا ثوريًا خالصًا قاده رجال آمنوا بالجمهورية ووقفوا في وجه مشروع الظلام، وفي مقدمتهم الزعيم صالح الذي جسّد شجاعة القائد وحكمة رجل الدولة حتى اللحظة الأخيرة، وإلى جواره رفيق الوفاء ابن شبوة البار الشهيد عارف الزوكا.

ستظل انتفاضة الثاني من ديسمبر علامة فارقة في الذاكرة الوطنية؛ فالأجساد وإن غابت، إلا أن الأرواح تبقى منارات تهدي الأجيال المقبلة طريق الحرية والكرامة. وفي مثل هذا اليوم يستعيد اليمنيون وصايا قائد الانتفاضة الذي تقدّم الصفوف، وتحمّل مسؤولية المواجهة في لحظة كان الوطن فيها يبحث عن بصيص أمل وسط عتمة الخذلان.

لقد كانت دعوة الزعيم صالح للانتفاضة بمثابة الضوء الذي اخترق جدار الظلام في مرحلة بلغت فيها الأوضاع السياسية والاجتماعية حد الاختناق، تحت سلطة جماعة لا تؤمن بالشراكة ولا بقواعد العمل السياسي، ولا تتردد في تجريف مؤسسات الدولة وإفقار الناس ونهب حاضرهم ومستقبلهم. وفي الوقت الذي كان اليمنيون يتطلعون إلى إصلاح أو تقارب أو مخرج يعيد ترتيب البيت الوطني، كانت المليشيا الكهنوتية تمضي في مشروعها الأحادي الذي لا يمتّ للدولة ولا لمرجعياتها بصلة.

كان الزعيم، وهو يرفع صوته محذّرًا، يدرك حجم المخاطر التي تتربص بالوطن. ولذلك بذل طوال سنوات ما يستطيع لاحتواء الانزلاق الكبير، مقدمًا المبادرات والحلول السياسية تجنبًا لانهيار شامل يدفع ثمنه الجميع. غير أن الجماعة ظلت متمسكة بمشروعها، الأمر الذي دفعه إلى إعلان موقفه التاريخي وإطلاق دعوته للانتفاضة من قلب صنعاء.

وقد رافقت تلك الدعوة تحذيرات جريئة من الشهيد عارف الزوكا، الذي كشف مبكرًا محاولات تجريف الهوية الوطنية والتعليم وإعادة صياغة المجتمع اليمني وفق أيديولوجيا دخيلة، وهي إشارات مثّلت جرس إنذار لليمنيين بأن بلادهم تُقاد نحو هاوية خطيرة.

وتكمن عظمة انتفاضة الثاني من ديسمبر في أنها لم تكن ثورة حزب أو نخبة، بل كانت صوت كل يمني يتشبّث بحقه في مستقبلٍ أفضل. فقد خاطب الزعيم صالح الشعب كله دون استثناء، وفوّضه بأن يتصدّى لمشروع الهيمنة والظلم، مؤكدًا أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن حماية الوطن مسؤولية جماعية لا تُؤجل.

لقد عبّرت تلك الانتفاضة عن حالة وطنية جامعة، لأنها حملت رسالة الجمهورية في وجه مشروع يسعى لطمس كل ما هو دستوري وجمهوري. ومن هنا أصبحت هي الشرارة الأولى لإحياء المسار النضالي واستعادة الوعي الشعبي الذي حاولت المليشيا طمسه.

وكان ثمن هذه الانتفاضة روح الزعيم والأمين، وهو ثمن باهظ يؤكد أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع. ومن هذا السياق يتواصل الإيمان بأن الغد قادم، وأن فجر اليمن سيشرق مهما طال الليل، لأن من قدّموا أرواحهم لم يدافعوا عن لحظة، بل كتبوا بداية الطريق نحو استعادة الدولة وهزيمة مشروع الموت.

وفي هذه الذكرى لا يستحضر اليمنيون حدثًا مضى، بل يستعيدون قيمًا خالدة: الشجاعة، الوفاء، التضحية، والتمسك بالجمهورية والثوابت الوطنية. وما دام هذا الوعي حاضرًا فإن مشروع الإمامة إلى زوال، وستظل إرادة الشعب قادرة على استعادة وطن يستحق الحياة.

فالثاني من ديسمبر ليس مجرد ذكرى… إنه وعدٌ بأن اليمن سيعود كما أراده أبطاله: حرًّا، جمهوريًا، أبِيًّا، محصّنًا ضد كل مشاريع الظلام.