حين انتفضت عدن واستيقظ اليمن.. الجلاء الذي هزم الإمبراطورية وصنع الوعي

في كل عام يعود 30 نوفمبر ليوقظ الذاكرة اليمنية المثقلة بتاريخ طويل من الوجع والمقاومة والكرامة، ويستحضر تلك اللحظة النادرة التي اجتمعت فيها إرادة الأرض مع إرادة الإنسان. 

ففي هذا اليوم عام 1967 غادر آخر جندي بريطاني مدينة عدن، لتتحول المدينة التي ظلت رهينة الاحتلال طيلة 129 عاماً إلى رمز عربي كبير للتحرر وصناعة الدولة والانتصار لإرادة الشعب. 

ليست ذكرى عابرة ولا مناسبة احتفالية فحسب، بل محطة تأسيسية في مسار اليمن الحديث، ورمز لوطن واحد قاوم رغم جراحه، وانتصر رغم انقساماته، وصنع من تضحيات أبنائه جسراً نحو المستقبل.

الاستعمار.. القوة التي كسرتها إرادة الناس

امتد النفوذ البريطاني إلى عدن منذ العام 1839، حين سقط الميناء تحت الاحتلال بعد عملية عسكرية مباغتة قادتها البحرية البريطانية. وما بدا في بدايته احتلالاً محدوداً، تحول لاحقاً إلى شبكة نفوذ سياسية واقتصادية معقدة، جمعت بين الإدارة المباشرة والحكم غير المباشر عبر كيانات محلية واتفاقيات حماية.

 رأت بريطانيا في عدن موقعاً استراتيجياً لا يمكن التفريط به، بوصفه أحد أهم الموانئ الحيوية على خطوط التجارة العالمية. غير أن هذه القبضة الحديدية التي بدت محكمة، بدأت تتصدع إثر تصاعد وعي الناس وتنامي مطالب الحرية، وصولاً إلى لحظة الانفجار الثوري التي فرضت واقعاً جديداً.

حركة التحرر الجنوبي… ولادة الثورة من رحم المخاض

شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي صعوداً متدفقاً لحركات التحرر في اليمن الجنوبي، متأثرة بتجارب المنطقة وتجاذباتها السياسية. 

جاءت الجبهة القومية في طليعة القوى التي حملت السلاح، وقادت العمل الفدائي من جبال ردفان إلى أحياء عدن. 

ووسط اشتداد المواجهات، صارت الثورة خياراً وحيداً أمام شعب دفع أثماناً باهظة، وصار إعلان التحرير ممكناً في ضوء انهيار منظومة السيطرة البريطانية شيئاً فشيئاً.

مناضلون ومفقودون… ذاكرة لا تزال تنبض

لم يُكتب تاريخ الجلاء فقط في التقارير العسكرية، بل في سِيَر المقاتلين والمفقودين الذين سقطوا في معارك قصيرة العمر كثيفة الخطر، وفي وجوه الأسر التي بقيت تنتظر عودة أبنائها بلا خبر. إنهم المنسيون الذين حملوا المتفجرات، وقادوا العمليات السرية، وكتبوا منشورات الثورة تحت ضوء الشموع، وفُقد بعضهم في ظروف لا تزال مجهولة حتى اليوم. 

ما تزال هذه الذاكرة حاضرة، تشكل جزءاً أساسياً من قيم الجلاء ومعانيه.

دور أبناء الشمال… جبهة واحدة رغم الجغرافيا

لم تكن معركة التحرر من الاستعمار حكراً على أبناء الجنوب، فقد كان لأبناء اليمن الشمالي دور بارز وملموس في دعم الثورة ومساندة المقاتلين.  شارك آلاف الشماليين في العمليات الفدائية داخل عدن، وفتحت مدن الشمال طرق الإمداد، وتحولت تعز والحديدة والبيضاء وإب إلى مصادر دعم للمقاتلين الجنوبيين. 

التقت ثورة سبتمبر في الشمال مع ثورة أكتوبر في الجنوب، وهو التقاء جسد واحد يتشارك المصير ذاته. 

هذه الحقيقة التاريخية أعادت وضع الجلاء في سياق وطني شامل لا يقبل التجزئة.

شهادة الرئيس علي عبدالله صالح حول الجلاء

كان الرئيس علي عبدالله صالح من أبرز الأصوات التي تحدثت عن 30 نوفمبر باعتباره لحظة وطنية جامعة تفوقت على الجغرافيا والانقسامات. وفي إحدى خطاباته في ذكرى الجلاء قال: "إن يوم الثلاثين من نوفمبر لم يكن مجرد نهاية لوجود أجنبي، بل كان بداية لوعي وطني جديد. لقد أثبت اليمنيون، شمالاً وجنوباً، أنهم قادرون على هزيمة المستحيل متى توحدت إرادتهم. ثورة أكتوبر في الجنوب وثورة سبتمبر في الشمال كانتا جناحين لوطن واحد، وهما صانعتا فجر اليمن الحديث."

وفي خطاب آخر أكد الرئيس صالح: "إن تحرير الجنوب من الاستعمار البريطاني هو صفحة مضيئة في كتاب النضال العربي. وقد شارك أبناء اليمن من كل المحافظات في تحقيقه، ولن نسمح للتاريخ أن يُكتب مبتوراً أو منقوصاً."

كانت رؤية صالح للجلاء تتجاوز البعد السياسي إلى ما هو أعمق... اعتبار الجلاء رمزاً لوحدة الإرادة الوطنية حتى في أكثر المراحل صعوبة.

شهادات قيادات جنوبية… صوت الأرض التي قاتلت

من بين الأصوات الجنوبية التي روت قصة الجلاء، تأتي شهادة القيادي الجنوبي  المعروف سالم ربيع علي "سالمين" الذي قال في أحد أحاديثه التاريخية: "ما انتصرنا على الاستعمار إلا لأننا حملنا همّ الوطن قبل السلاح. لو لم يكن الشعب معنا لما انتصرت الثورة، ولو لم يقف إخوتنا في الشمال معنا لما اكتملت المعادلة. كان هدفنا الكبير أن نرى عدن محررة، وأن نرى شعبنا سيداً على أرضه."

كما يقول القيادي والمناضل الجنوبي عبدالفتاح إسماعيل في إحدى مقابلاته: "الثورة لم تكن فعلاً مسلحاً فقط، بل كانت مشروع وعي جمعي، شارك فيه العمال والطلاب والجنود والفلاحون. كانت لحظة نادرة تلاقت فيها إرادة اليمنيين، شمالاً وجنوباً، ضد الظلم."

هاتان الشهادتان تلخصان كيف كان قادة التحرير، رغم اختلاف توجهاتهم السياسية لاحقاً، ينظرون إلى الجلاء بوصفه مشروعاً شعبياً مشتركاً.

شهادات عربية… اليمن في قلب حركة التحرر

وفي الإطار العربي، كان اليمن الجنوبي إحدى أبرز ساحات التحرر التي حظيت بدعم واسع. يقول الزعيم العربي جمال عبد الناصر في إحدى خطاباته حول دعم مصر للثورة في الجنوب: "ثورة اليمن ضد الاستعمار هي ثورة الأمة كلها. دعمنا لها واجب قومي، لأنها معركة من أجل الحرية والكرامة في المنطقة."

كما قال القائد الثوري الجزائري هواري بومدين معلقاً على جلاء عدن: "تحرير عدن هو انتصار لكل الشعوب التي قاومت الاستعمار. لقد أثبت اليمنيون أن الإرادة الحرة قادرة على صنع التاريخ، مهما طال عمر الاحتلال."

هذه الشهادات توثق أن جلاء عدن لم يكن انتصاراً يمنياً فحسب، بل جزءاً من موجة تحرر عربي واسعة رأت في اليمن شريكاً في المقاومة والأمل.

30 نوفمبر… ولادة دولة وخريطة جديدة

حين غادر آخر جندي بريطاني ميناء عدن في الثلاثين من نوفمبر 1967، لم يكن المشهد مجرد انسحاب عسكري، بل إعلان انتصار مشروع وطني كامل. 

أُعلنت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، حينها، وتأسست دولة جديدة خرجت من تحت ركام الاحتلال، تجمع بين التحدي والرغبة في بناء الذات.

ذكرى وطنية جامعة رغم الانقسامات 

بعد الوحدة اليمنية عام 1990 أصبح 30 نوفمبر مناسبة وطنية جامعة تستعاد فيها قيم المقاومة والتحرر. وعلى الرغم من سنوات الحرب والصراع، فإن هذه الذكرى تبقى قادرة على جمع اليمنيين حول رمز يذكرهم بتاريخ مشترك صنعته التضحيات، لا المشاريع السياسية العابرة.

مآلات التحرر.. سؤال المستقبل المفتوح

بعد عقود من الجلاء، يجد اليمن نفسه أمام سؤال صعب حول مستقبل التحرر ومصير الدولة. تحاول المليشيات الحوثية وبعض الأصوات المؤدلجة اليوم تشطير الجسد اليمني الواحد ومناهضة مشروع استعادة الجمهورية وبناء الدولة اليمنية الحديثة وتفريغ القيم الكبرى من معناها، لكن ذكرى الجلاء تعيد إحياء الفكرة المركزية.. أن الشعب اليمني مهما اختلف سياسياً، يملك قدرة أصيلة على استعادة الدولة متى توحدت إرادته، كما فعل في 30 نوفمبر 1967.

ذاكرة مقاومة تصنع الأمل

تظل ذكرى 30 نوفمبر واحدة من أعظم المحطات في الوجدان اليمني الحديث، لأنها تجسد المعنى العميق للتحرر والكرامة. إنها ذاكرة تمنح هذا الشعب أملاً في زمن الانقسام، وتعيد تقديم درس خالد: أن التحرر ليس فعلاً عابراً، بل روح تسري في الأجيال، وتمنحها القدرة على تجاوز المحن وصناعة المستقبل من جديد.