دولة خارج الحدود.. قراءة في سياسة الاجتماعات الافتراضية لمجلس القيادة والحكومة اليمنية والبرلمان

يبدو أن ظاهرة “الاجتماعات الافتراضية” التي باتت سمة ملازمة لأداء مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لم تعد مجرد خيار مؤقت تمليه الظروف الأمنية أو اللوجستية، بل تحولت إلى نمط حكم جديد يثير تساؤلات جوهرية حول معنى السلطة وشرعية الحضور في بلد يعيش انهيارًا مركبًا على المستويات كافة.

فعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على خروج مؤسسات الدولة إلى الخارج، ما يزال مجلس القيادة والحكومة والبرلمان يديرون البلاد من وراء الشاشات، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الخدمية والمعيشية داخل المحافظات الواقعة تحت نفوذهم.

هذا الانفصال بين مركز القرار والواقع الميداني لم يعد خافياً على أحد، بل أصبح ـ في نظر الشارع اليمني ـ رمزاً لعجز السلطة الشرعية عن استعادة دورها ووجودها الفعلي.

ويرى مراقبون للمشهد اليمني، أن استمرار هذا النمط من الإدارة بعد انعكاساً لمدى عمق الأزمة البنيوية داخل مؤسسات “الشرعية”، ويجسد حالة من الارتهان السياسي والإداري للخارج، حيث بات القرار الوطني يتشكل في عواصم غير يمنية، ويتبدد قبل أن يلامس الأرض. 

وبذلك تتحول الاجتماعات الافتراضية إلى مرآة لغياب الإرادة أكثر من كونها وسيلة اتصال حديثة، وفقاً للمراقبين.

الإعلاميون والناشطون اليمنيون الذين رصد محرر وكالة "خبر" تعليقاتهم على هذه الظاهرة، أكدوا أن تلك الاجتماعات المتكررة لم تنتج أي تقدم ملموس في الملفات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية، بل تحولت إلى ما يشبه “الواجب الإداري الشكلي” الذي يُعقد لإثبات الوجود وتبرير النفقات، لا لإحداث تغيير حقيقي. 

وأشاروا إلى أن هذا التفسير هو شعور الشارع بأن ما يُدار في الخارج هو “مشهد سياسي بلا مضمون”.

ويرى آخرون أن اعتماد القيادة على الإدارة عن بُعد عمّق فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وأسهم في تآكل الشرعية من الداخل، إذ لا يمكن لسلطة غائبة عن الأرض أن تدّعي تمثيل الناس أو الدفاع عن مصالحهم. 

ومع استمرار هذا الغياب، تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الحياة اليومية في المدن اليمنية المحررة التي ترزح تحت الفقر والفوضى وانعدام الخدمات.

ويذهب بعض المحللين إلى أن بقاء مؤسسات “الشرعية” في الخارج لأكثر من عشر سنوات كرس ثقافة سياسية جديدة قائمة على “الاستقرار في المنفى” بدلاً من “الإدارة من الداخل”، وهي ثقافة خطيرة تهدد فكرة الدولة ذاتها. فالدولة – في جوهرها – حضور، لا اتصال مرئي عبر شاشة.

في النهاية، تبدو الاجتماعات الافتراضية لمجلس القيادة والحكومة اليمنية تعبيراً عن أزمة وجود لا أزمة تواصل، وعن سلطة تبحث عن حضور رمزي في فضاء الإنترنت، فيما يفقد الواقع على الأرض آخر مظاهر الدولة.