ولايات أمريكية تتحرك لمنع شراء الصينيين أراضٍ قريبة من القواعد العسكرية

يتجه مشرعون من 33 ولاية أميركية لفرض قيود صارمة على تملك المواطنين الصينيين والشركات التي تتخذ من الصين مقراً لها، الأراضي الزراعية أو العقارات القريبة من القواعد العسكرية الأميركية، وسط دعم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري للحد من تصاعد نفوذ بكين.

وقالت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير، إن المشرعين على مستوى الولايات، يتبنون تكتيكاً جديداً يستهدف الاستثمارات الصينية المحلية، ويتمثل ذلك في فرض قيود على تملك المواطنين أو الشركات الصينية للأراضي.

وقدم مشرعون في 33 ولاية من أصل 50، قرابة 81 مشروع قانون خلال العام الجاري، لمنع الحكومة الصينية وبعض الشركات التي تتخذ من الصين مقراً لها، والمواطنين الصينيين من شراء أراض زراعية أو عقارات قريبة من القواعد العسكرية، وفقاً لتحليل أجرته "واشنطن بوست" للبيانات التي جمعتها منظمة العدالة الأميركية في آسيا والمحيط الهادئ.

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى تحول عشرات من مشاريع القوانين بالفعل إلى قوانين في ولايات مثل ألاباما وأيداهو وفيرجينيا.

ورغم تمرير معظم هذه القوانين في الدوائر التشريعية التي يهيمن عليها الجمهوريون، إلا أن بعضها وجد دعماً من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

واعتبر المدافعون عن القوانين، أنها تتصدى لـ"تهديد يتعرض له الأمن القومي الأميركي"، محذرين من أن الحكومة الصينية "يمكنها أن تنفذ عمليات تجسس عبر الأراضي التي تم شراؤها بالقرب من القواعد العسكرية الأميركية".

كما أعربوا عن إمكانية أن تواجه الإمدادات الغذائية في الولايات المتحدة خطراً، في حال استحوذت كيانات أجنبية على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية.

وقالت النائبة الجمهورية في ولاية أوهايو، أنجي كينج، لدى تقديمها مشروع قانون في يونيو الماضي، لفرض قيود على مبيعات الأراضي، وخاصة الزراعية منها، على بعض الشركات والأفراد الذين تربطهم علاقة بدول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية إن "هذه القضية لها تأثير مباشر على جميع سكان ولاية أوهايو"، محذرة من أن "تواجه الولاية خطر هجمات الأعداء".

"تأجيج الكراهية"

في المقابل، حذرت الجماعات الأميركية-الآسيوية ومشرعين من أن مشاريع القوانين الجديدة "تتجاوز مخاوف الأمن القومي الأميركي"، مشيرين إلى إمكانية أن "تشجع على التمييز ضد الأميركيين من أصل صيني" في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من ارتفاع معدلات جرائم الكراهية، ما قد يعيد الأميركيين من أصل آسيوي إلى عصور كانوا يُمنعون فيها علناً من امتلاك العقارات.

وقالت نائبة ولاية تكساس السابقة مارثا وونج: إن "هناك جهلاً يجعل الناس يعتقدون أن كونك صينياً يجعلك جزءاً من الحكومة الصينية".

من جانبها، استنكرت السفارة الصينية في واشنطن هذا التوجه التشريعي، وقالت لـ"واشنطن بوست" إن "التعاون التجاري بين الصين والولايات المتحدة مفيد لكلا الطرفين"، لكنها اعتبرت أن "تسييس التجارة والاستثمار يتعارض مع مبادئ اقتصاد السوق، ويقلل من الثقة في السوق الأميركية".

ويعكس هذا الحراك التشريعي، موجة انطلقت على مدى العامين الماضيين، حيث تم تقديم قرابة 30 مشروع قانون، لكن لم يتم تمرير سوى 2 فقط منها، بحسب "واشنطن بوست".

واكتسبت مشاريع القوانين، زخماً كبيراً خلال العام الجاري، بعدما تصاعد المخاوف إثر دخول "منطاد تجسس صيني"، الولايات المتحدة في فبراير الماضي، قبل أن تسقطه مقاتلة أميركية قبالة سواحلها الشرقية.

وقال العضو الجمهوري في مجلس شيوخ ولاية مونتانا كين بوجنر: "بعد أسبوع من التقدم بمشروع القانون، تم إطلاق منطاد التجسس الصيني فوق مونتانا ما جعل جميع أعضاء المجلس يوافقون عليه".

واعتبر معارضون لمشاريع القوانين، الحراك التشريعي تصعيداً في ظل تزايد المشاعر المعادية للآسيويين في الولايات المتحدة، لافتين إلى ارتفاع معدلات جرائم الكراهية والتي أصبحت أكثر حدة خلال فترة جائحة فيروس كورونا، بحسب "واشنطن بوست".

وامتد الضغط الذي تمارسه الولايات، للحد من ملكية الصينيين إلى الكونجرس، حيث شهدت الأعوام الثلاثة الماضية، تقديم ما لا يقل عن 11 مشروع قانون من أجل تقييد عمليات شراء الأراضي من قبل الشركات والمواطنين الصينيين.

ورغم عدم المصادقة عليها، إلا أن العديد منها لا يزال قيد الانتظار، وتم تضمين أحدها مؤخراً في قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي أقره مجلس الشيوخ الشهر الماضي.

كما تمت إضافة التشريع المعلق الذي تقدم به السيناتور الجمهوري من ولاية ساوث داكوتا، مايك راوندز، إلى قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي تمت المصادقة عليه في مجلس الشيوخ في يوليو الماضي بأغلبية 86 صوتاً مقابل 11.

وتساءل راوندز في تصريحات لـ"واشنطن بوست": "هل يمكنكم التفكير في أي سبب يجعلنا نسمح للصين بشراء أراض زراعية في الولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن مقترحه "حصل على مصادقة مجلس الشيوخ بتصويت قوي من كلا الحزبين، لذلك أشعر بالتفاؤل، كما أنني لم أسمع أي معارضة من ناحية مجلس النواب".

"مخاوف مبالغ فيها"

لكن خبراء وصفوا المخاوف المتعلقة بالأمن القومي بـ"المبالغ فيها"، مرجعين ذلك إلى أن الصين والمستثمرين الصينيين يمتلكون جزءاً صغيراً من الأراضي الزراعية الأميركية.

ويُظهر تقرير وزارة الزراعة الأميركية، أن المستثمرين الصينيين يمتلكون نحو 1% من الأراضي الزراعية الأميركية، منها حوالي 0.03% فقط تحولت إلى مزارع، أما الباقي فعبارة عن طرق ومساكن ومبان ريفية غير مرتبطة بالزراعة، وفقاً لـ"واشنطن بوست".

وقال جو جلوبر، كبير الخبراء الاقتصاديين سابقاً في وزارة الزراعة الأميركية، وكبير الباحثين حالياً في المعهد الدولي لأبحاث السياسة الغذائية: إن "منع المستثمرين الصينيين وغيرهم من الأجانب من امتلاك الأراضي بدافع المحافظة على الأمن الغذائي غير مقنع على الإطلاق".

وأضاف جلوبر لـ"واشنطن بوست": "نحن نصدر بالفعل جزءاً كبيراً من إنتاجنا، لذلك فإن الأمر لا يتعلق بالحاجة إلى إبقاء هذه المنتجات في الداخل"، واصفاً نسبة تملك الصينيين للأرضي الزراعية في الولايات المتحدة بـ"قطرة في بحر".

عوائق قانونية

وتواجه مشروعات القوانين من هذا النوع مستقبلاً قانونياً ضبابياً، فقد طعن اتحاد الحريات المدنية الأميركي على دستورية قانون مماثل في ولاية فلوريدا، وقدم بعض الحجج التي دفعت عدداً من المحاكم العليا في الولايات الأخرى إلى إلغاء عمليات حظر واسعة النطاق على الملكية الزراعية للمواطنين الأجانب من الدول الآسيوية منذ عقود، بينها قرار المحكمة العليا في كاليفورنيا الصادر في عام 1952.

ولفت المشرعون والمدافعون الذين يتابعون هذا النوع من التشريعات لـ"واشنطن بوست" إلى أن "الزخم الذي تحظى به هذه التشريعات، يهيئ الأجواء للتقدم بمزيد من مشاريع القوانين في مجالس نواب الولايات".

وتوقع جون يانج، الرئيس والمدير التنفيذي لمنظمة "الأميركيون والآسيويون يعززون العدالة" التي تعارض هذا النوع من القوانين أن "يتصاعد الخطاب السياسي بهذا الصدد"، كما توقع "تقديم المزيد من مشاريع القوانين والموافقة عليها".

تاريخ طويل

وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن الولايات المتحدة لديها تاريخ طويل في منع غير المواطنين والأقليات من شراء العقارات وتأسيس الشركات، والذي يعود إلى القيود الاستعمارية التي فُرضت على البريطانيين.

وأوضحت الصحيفة أنه لم يكن يُسمح للعبيد بامتلاك العقارات حتى تم إقرار التعديلات الدستورية، بعد أن أنهت الحرب الأهلية، العبودية ومنحت حق المواطنة بالولادة.

وكثيراً ما كان الأميركيون-الآسيويون مستهدفون على وجه التحديد، من خلال القوانين المتعلقة بملكية الأجانب للأراضي، والتي تفشت في أوائل القرن العشرين في أكثر من 12 ولاية، وفقاً لـ"واشنطن بوست".

وأثناء الحرب العالمية الثانية، فقد الأميركيون اليابانيون منازلهم وشركاتهم بعد أن تم زجهم في معسكرات الاعتقال، إلا أن المحاكم العليا إلى جانب المشرعين والناخبين في الولايات، ألغت الكثير من قوانين ملكية الأجانب للأراضي، والتي كانت تستهدف الأميركيين-الآسيويين على وجه التحديد، خاصة خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات.

مزرعة رياح تثير زوبعة

وبدأت أحدث جهود تقييد ملكية الأجانب للأراضي في عام 2019، عندما اقترح الملياردير الصيني سون جوانجشين، إنشاء مزرعة رياح تضم 46 توربيناً في جنوب غرب تكساس لتغذية شبكة الكهرباء بالولاية.

ولكن منتقدي هذا الاقتراح، سرعان ما أثاروا المخاوف بشأن علاقات سون مع الحزب الشيوعي الصيني، وحذر المشرعون من إمكانية إضافة أجهزة تجسس إلى توربينات المزرعة لمراقبة قاعدة لافلين الجوية القريبة.

وانتهى الأمر بحظر المشرعين الجمهوريين في الولاية، أي مشروع تربطه علاقة بـ"دول معادية" من الاقتراب من شبكة كهرباء تكساس أو أي "بنية تحتية حيوية" أخرى، ما أدى إلى وأد المشروع.

والعام الماضي، اتبع مشرعو نورث داكوتا ذات النهج، بعدما قامت مجموعة صينية بشراء أراض زراعية بالقرب من قاعدة جراند فوركس الجوية لبناء مطحنة ذرة.

وقام عضوا مجلس الشيوخ الجمهوريين عن الولاية، جون هوفن وكيفن كريمر، بتقديم التماس إلى القوات الجوية، وقالا إن المشروع يمثل "تهديداً خطيراً للأمن القومي" الأميركي.

وانتهى الأمر بوأد المشروع، فيما مرر المجلس لتشريعي للولاية مشروع قانون يمنع الشركات الصينية من "القيام بمشاريع مشابهة على أراض زراعية أو بالقرب من قواعد عسكرية".

وخلال هذا العام، قدمت عشرات الولايات الأخرى مشاريع قوانين اتسع نطاق بعضها ليشمل "مواطنين عاديين من دول معادية"، ويتضمن بعضها لغة شديدة اللهجة مثل مشروع قانون ولاية لويزيانا الذي يحظر على أي شخص من دولة تعتبر "خصماً أجنبياً" شراء أو تأجير عقار بالقرب من قاعدة عسكرية، حتى أولئك الذين يحملون تأشيرات طلابية صالحة.

وتحول نحو 14 مشروع قانون على مستوى الولاية منذ عام 2021 إلى قوانين، معظمها تحظر على الحكومة الصينية و"الدول المعادية" الأخرى امتلاك أراض زراعية أو شركات، أو عقارات بالقرب من قواعد عسكرية، أو امتلاك مشروعات "بنية تحتية حيوية" مثل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، كما يفرض معظم هذه القوانين قيوداً على الشركات الموجودة في هذه البلدان.

وعندما اقترح مشرعو ولاية تكساس 3 قوانين خلال العام الجاري، لمنع الشركات والمواطنين الصينيين من شراء العقارات، خرجت ونج، النائبة السابقة في ولاية تكساس، والتقت نشطاء أميركيين-آسيويين وشجعتهم على ذهاب أعداد كبيرة من السكان الذين سيتضررون من مشاريع القوانين إلى مبنى الكابيتول في أوستن، بدلاً من الاستعانة بجماعات الضغط.

دعوى قضائية

وتعتبر الدعوى المرفوعة، في مايو الماضي، من قبل اتحاد الحريات المدنية الأميركي أمام المحكمة الفيدرالية في مدينة تالاهاسي بولاية فلوريدا، أن القانون "ينتهك العديد من مواد الدستور الأميركي، بما في ذلك أحكام الإجراءات القانونية الواجبة" لأن لغته "غامضة وواسعة النطاق"، وفقاً لصحيفة الدعوى.

ويحظر قانون فلوريدا، شراء عقارات أو تطوير مشروعات "بالقرب من أي منشأة عسكرية"، كما يمكن أن يقيد القانون المنفيين السياسيين من الصين ودول أخرى.

وقال إدجار تشين، المحامي والمستشار السياسي في نقابة المحامين، لـ"واشنطن بوست" إن قانون فلوريدا سيفرض "في ظاهره قيوداً على المعارض الروسي أليكسي نافالني"، مشيراً إلى أنه "إذا كان القصد من هذا القانون تقويض الأنظمة السلطوية، فإنه يفعل العكس تماماً بمعاقبته أقوى معارضيها".

قانون فلوريدا يلقي أيضاً بالمسؤولية على عاتق مشتري العقارات لتفسير القواعد، وفقاً للدعوى القضائية المرفوعة من قبل اتحاد الحريات المدنية الأميركي.

كما ذكرت الدعوى أن القانون ينتهك قانون الإسكان العادل الفيدرالي، في حين قدمت وزارة العدل الأميركية إفادة لدعم هذا الموقف.

وفي المقابل، شككت المدعية العامة في ولاية فلوريدا، المنتمية إلى الحزب الجمهوري، آشلي مودي، في مذكرتها القانونية، بأن القانون ينتهك الدستور، مشددةً على أنه "غير مدفوع بالعداء العنصري أو القومي"، ومشيرةً إلى أن "المدعين فشلوا في إظهار التمييز بموجب قانون الإسكان العادل".

رفض القاضي، الخميس الماضي، طلب اتحاد الحريات المدنية الأميركي إصدار أمر أولي لتقييد القانون أثناء نظر القضية أمام المحكمة.

من جانبهم، يمضي المشرعون قدماً في إصدار تشريعات فيدرالية وعلى مستوى الولايات، أما الكونجرس فيستعد لتقديم مشاريع قوانين أخرى تدعو لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً ضد التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي الأميركي.