حرب أوكرانيا تكشف مشاكل الصناعات العسكرية في أميركا

تدفع احتمالية تصاعد التهديدات العسكرية من الصين وروسيا الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة لدعم زيادة إنفاق وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون)، في حين كشفت حرب أوكرانيا أوجه قصور في القاعدة الصناعية العسكرية في البلاد، وفقاً لمسؤول كبير.

وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير نشرته، الأحد، إن الكونجرس يستعد الأسبوع المقبل لإعطاء موافقة نهائية على ميزانية عسكرية وطنية للسنة المالية الحالية، من المتوقع أن تصل إلى نحو 858 مليار دولار، بزيادة 45 مليار دولار عن الميزانية التي اقترحها الرئيس الأميركي جو بايدن.

وفي حال إقرارها بهذا المبلغ، ستكون ميزانية البنتاجون قد شهدت زيادة بنسبة 4.3% سنوياً على مدار العامين الماضيين، حتى بعد التضخم، مقارنة بمتوسط أقل من 1% سنوياً بالقيمة الحقيقية للدولار بين عامي 2015 و2021، وفقاً لتحليل أجراه "مركز التقييم الاستراتيجي وتقييم الموازنات"، وهو مؤسسة أبحاث مستقلة متخصصة في سياسة الدفاع الأميركية والميزانيات بواشنطن، لصالح صحيفة "نيويورك تايمز".

وأشارت الصحيفة إلى أنّ الإنفاق على المشتريات العسكرية سيرتفع بشكل كبير في العام المقبل، بما في ذلك زيادة بنسبة 55% في تمويل الجيش لشراء صواريخ جديدة، وزيادة بنسبة 47% في مشتريات سلاح البحرية.

والجمعة، وضع مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان تلك الزيادة في إطار استراتيجي، قائلاً إن الحرب في أوكرانيا كشفت عن أوجه قصور في القاعدة الصناعية العسكرية في البلاد، ينبغي معالجتها لضمان أن تكون الولايات المتحدة "قادرة على دعم أوكرانيا، وأن يكون بمقدورها التصدي لحالات طوارئ في أماكن أخرى من العالم".

وأوضحت الصحيفة أنّ شركة "لوكهيد مارتن"، أكبر متعاقد عسكري في البلاد، حجزت ما قيمته أكثر من 950 مليون دولار من طلبياتها العسكرية لإنتاج القذائف، من البنتاجون بشكل جزئي لإعادة ملء المخزونات المستخدمة في أوكرانيا.

كما منح الجيش شركة "رايثيون تيكنولوجيز" (Raytheon Technologies) عقوداً قيمتها أكثر من ملياري دولار، لتسليم منظومات صواريخ لزيادة أو سد النقص في الأسلحة المستخدمة لمساعدة أوكرانيا.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "رايثيون تيكنولوجيز" جريجوري جيه. هايز، في مقابلة بوقت سابق من هذا الشهر: "استهلكنا (إنتاج) 6 سنوات من صواريخ ستينجر في 10 أشهر. لذلك سيستغرق الأمر عدة سنوات لإعادة التجهيز وسد النقص"، مشيراً إلى 1600 من صواريخ الشركة المضادة للطائرات المحمولة على الكتف التي أرسلتها الحكومة الأميركية إلى أوكرانيا.

ولفتت الصحيفة إلى أنّ هذه العقود هي مجرد مقدمة لما يتوقع أن يكون تعزيزاً جديداً كبيراً للقدرات الدفاعية، مضيفة أن الإنفاق العسكري العام المقبل في سبيله للوصول إلى أعلى مستوياته بالأرقام المعدّلة وفقاً للتضخم، منذ الذروة التي بلغتها التكلفة إبان حربي العراق وأفغانستان بين عامي 2008 و2011، وثاني أعلى مستوى بالأرقام المعدّلة وفقاً للتضخم منذ الحرب العالمية الثانية، وهو مستوى يتجاوز ميزانيات أكبر 10 وكالات حكومية تلي البنتاجون مجتمعة.

تعزيز الإنفاق الدفاعي للحلفاء

ويأتي المزيد من طلبيات الشراء إلى المتعاقدين العسكريين من حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا، بعد أن خلصوا أيضاً إلى أنه يتوجب عليهم بذل المزيد من الجهد لتسليح أنفسهم لمواجهة تهديدات عالمية متزايدة، بحسب الصحيفة.

وفي هذا الإطار، تحركت اليابان هذا الشهر لمضاعفة إنفاقها على الدفاع خلال السنوات الخمس المقبلة، وتجاهلت الموقف السلمي الذي حافظت عليه إلى حد كبير منذ عام 1945.
 
وهذه المبالغ لا تشمل ما يقدر بنحو 18 مليار دولار من عمليات تسليم الأسلحة المخطط لها، لكنها تأخرت الآن من قبل الولايات المتحدة لتسليح تايوان ضد هجوم محتمل من الصين في المستقبل.

ويبدو أن اقتران حرب أوكرانيا مع الإجماع المتزايد حول بزوغ حقبة جديدة من المواجهة بين القوى العظمى يدفع إلى بذل جهود لضمان قدرة القاعدة الصناعية العسكرية على الاستجابة للزيادات المفاجئة في الطلب.

وأصبحت المسألة ملحة في بعض الحالات، إذ تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها في شمال الأطلسي (الناتو) إلى استمرار تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا دون تقليص مخزوناتها إلى مستويات مقلقة.

ووفقاً للصحيفة، استهلك الجيش الأوكراني مخزون سنوات من القدرة الإنتاجية للقذائف للموردين الغربيين في غضون أشهر.

في الوقت نفسه، لا يزال القلق يساور المتعاقدين العسكريين بشأن الاستثمار لتلبية الطلب المتزايد على الأسلحة، والذي يمكن أن يتضاءل مجدداً عندما تنتهي الحرب أو تغير السياسة مسارها.

ونقلت الصحيفة عن رئيس شركة "BAE Systems" البريطانية توم أرسينولت قوله إن "بدء تشغيل خط إنتاج احتياطي مسألة صعبة، وهذا لا يأتي من دون ثمن".

وفي الوقت الراهن تدرس شركة الصناعات الجوية والدفاعية البريطانية التي تعد أكبر مقاول عسكري في أوروبا إعادة تشغيل خط تصنيع مدافع هاوتزر M777، الذي كانت الشركة بصدد إغلاقه.

والخميس، أقر مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون ميزانية الدفاع لعام 2023، والتي تعد الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة بـ858 مليار دولار.

وأفادت الصحيفة بأن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني، وهو مشروع قانون سنوي يحدد سياسة البنتاجون، يمنع القوات الجوية والبحرية من سحب منظومات أسلحة قديمة يرغب الجيش في إخراجها من الخدمة، تشمل طائرات نقل محددة، مثل طراز "C-130" أو طائرات مقاتلة طراز "F-22".

وفي الوقت نفسه، يتضمن المشروع مليارات الدولارات من الأموال الإضافية لبناء المزيد من السفن والطائرات الجديدة أكثر مما طلب البنتاجون نفسه، بما في ذلك 2.2 مليار دولار فقط لبناء مدمرة صواريخ موجهة إضافية للبحرية الأميركية، وفقاً للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ.

"تحول" سياسة واشنطن

وفي مؤشر على كيفية "تحول" سياسة الحكومة الأميركية لإعادة بناء القدرة الصناعية للجيش، تحرك الكونجرس هذا العام للسماح لوزارة الدفاع بتقديم التزامات إنفاق متعددة السنوات على نطاق أوسع لأنظمة أسلحة معينة وعمليات بناء سفن. وهذا هو البند الذي دافع عنه أعضاء جماعات الضغط (اللوبي) في صناعة الأسلحة منذ فترة طويلة، بحجة أنه يمنح شركات تصنيع الأسلحة ثقة بأن الاستثمارات التي يضخونها لبدء الإنتاج ستشهد عوائد مستمرة في السنوات المقبلة.

وقال السيناتور الجمهوري عن ولاية نبراسكا ديب فيشر، عضو لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الذي أيد التغيير: "علينا أن نقدم هذا الالتزام للصناعة. بعد ذلك، ستمضي الصناعة قدماً لإعادة تشغيل خطوط إنتاجها أو تطويرها".

وهذه الخطوة وحدها تشير إلى أن طلبيات شراء ذخيرة إضافية بقيمة 73 مليار دولار ربما تكون متوقعة خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهي عقود ستفيد إلى حد كبير اللاعبين الكبار في الصناعات العسكرية مثل شركة "لوكهيد ورايثيون"، وفقاً لتحليل أجراه مايلز والتون، وهو محلل صناعات عسكرية في شركة "وولف للأبحاث" (Wolfe Research)، ومقرها وول ستريت.

بينما قال ويليام دي هارتونج، الزميل في معهد "كوينسي لفن الحكم المسؤول" للأبحاث بواشنطن، إن المتعاقدين العسكريين "يحققون مكاسب مرة أخرى، وأوكرانيا توفر لهم فقط حجة أخرى حول سبب ضرورة استمرار الأمور للمضي قدماً".

من جهته، قال لورانس ج. كورب، الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع في عهد إدارة الرئيس الراحل رونالد ريجان (1981-1989) وكان ذات يوم نائب رئيس شركة "رايثيون"، إن "ميزانية الدفاع البالغة تريليون دولار، هي ما نتجه إليه. يبدو أن لا أحد يرغب في اتخاذ خيارات صعبة. حتى الديمقراطيين يبدو الآن أنهم يخشون أن يُنظر إليهم على أنهم متساهلون في الدفاع".

مع ذلك تشكل أكبر عقبة أمام نمو المقاولين العسكريين الرئيسيين، وتشمل القائمة "لوكهيد"، و"رايثيون"، و"بوينج"، و"جنرال دايناميكس"، و"بي إيه إي"، و"نورثروب جرومان"، و"هنتنجتون إينجلس إندستريز" إيجاد إمدادات كافية من المكونات الرئيسية، مثل الإلكترونيات الدقيقة والرؤوس الحربية للصواريخ، بالإضافة إلى الإمداد المستمر للموظفين الجدد لتجميع كل هذه العناصر.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "رايثيون"، التي يعمل بها 180 ألف عامل، إن شركته وظفت 27 ألف موظف جديد هذا العام حتى الآن. لكن حتى مع ذلك، لا تزال الشركة تواجه صعوبات في قطع الغيار المتوفرة ونقص العمالة، ما يؤدي إلى تباطؤ المبيعات.