لقاء الناتو مع مسؤولين روس.. خبراء: بوتين وحده يعلم النوايا لحقيقية لموسكو

يتفق محللون غربيون وروس في أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو فقط من يعرف ماذا سوف تكون خطوات موسكو بشأن غزو أوكرانيا، باعتباره أنه هو من يمسك بكافة مفاصل السياسة الخارجية في بلاده، وقد لا يبيح بحقيقة خطته حتى لمقربين منه، وفقا لتقرير تحليلي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وتحذر وكالات استخبارات غربية من أن روسيا تفكر في غزو أوكرانيا، بمشاركة ما قد يصل إلى 175 ألف جندي، حيث يوجد حاليا على الحدود الأوكرانية ما يقرب من 100 ألف جندي روسي. 

وكانت روسيا قد طالبت واشنطن وحلفائها بتطمينات واسعة النطاق بما في ذلك ضمانات ملموسة بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، في حين يشدد أعضاء الحلف على أن البت بالعضوية في الناتو منوط بهم متعهّدين مواصلة سياسة الانفتاح.

و بشأن خطوة موسكو القادمة في حال لم تحصل روسيا على التنازلات التي تريدها من أميركا يقول، فيودور لوكيانوف، ومحلل سياسي روسي بارز البارز ويرأس مجلسًا يقدم المشورة للكرملين "بشكل رسمي لا أحد يعرف".

وبحسب العديد من المحللين بما فيهم أعضاء من الدائرة المقربة من بوتين أن جدية الرئيس الروسي في التفكير في شن حرب شاملة على أوكرانيا سوف تبقى غامضة الملامح، وأنهم  ليسوا على علم بماهية  التنازلات الأميركية التي هو على استعداد لقبولها من أجل نزع فتيل الأزمة.

وبدلاً من ذلك، من المرجح ألا يتخذ بوتين قرارًا، وفقًا لمحللين روس ومسؤولين أميركيين، إذا أنه قد "يرغب في إبقاء الغرب على حافة الهاوية"، وفي هذا الصدد كان المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، قد قال للصحفيين يوم الثلاثاء "ما يهم هو النتائج.. وفي الوقت الحالي، ليس هناك ما يقال عن أي نتائج".

واليوم الأربعاء يعقد التحالف الغربي لقاء جديدا مع مسؤولين روس خلال محادثات في بروكسل بين كبار دبلوماسيي موسكو والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، وذلك قبل أن يتوجّه الفرقاء، غدا الخميس إلى فيينا للمشاركة في المجلس الدائم لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

وتُجري الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون محادثات مع موسكو، لمحاولة تجنيب المنطقة ما تعتبره واشنطن تهديدًا روسيًا باجتياح أوكرانيا، غير أن موسكو لم تُبدِ أي علامات تهدئة. وأعلمت نائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان الثلاثاء ممثلي الدول الثلاثين الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بفحوى المفاوضات التي أجرتها في جنيف مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف.

وقال ممثل عن إحدى الدول الأوروبية لوكالة فرانس برس "ليس هناك سبب للتفاؤل، إلّا أن الروس ملتزمون جديًا بالمسار الدبلوماسي". ووافقت موسكو على إعادة إحياء مجلس الناتو-روسيا وهو هيئة استشارية أُنشئت عام 2002 وعُلّقت أعمالها في يوليو 2019.

وسيُمثّل روسيا نائب وزير الخارجية ألكسندر غروشكو الذي وصف الاجتماع بأنه "لحظة الحقيقة" في العلاقات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. وستُمثّل شيرمان الولايات المتحدة فيما أرسلت فرنسا فرانسوا دولاتر وهو المدير العام لوزارة الخارجية الفرنسية.

 وأوضحت السفيرة الأميركية الجديدة في حلف شمال الأطلسي جوليان سميث أن الولايات المتحدة لم تقدم أي تنازلات لكنّها صاغت مقترحات للحدّ من مخاطر الصراع والشروع في نزع الأسلحة التقليدية والنووية.

وأكّدت واشنطن لموسكو أنها لا تنوي نشر أسلحة هجومية في اوكرانيا، لكنها نفت أن يكون لديها نيّة بنزع السلاح في أوروبا، حسبما أكّد الدبلوماسي الأوروبي. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي "لا يزال من المبكر جدًا لنقول إذا كان الروس جدّيين أم لا في المسار الدبلوماسي أو إذا كانوا مستعدّين للتفاوض بشكل جدّي". وتابعت "إن علاقة حلف شمال الأطلسي مع اوكرانيا هي مسألة لا تعني إلّا أوكرانيا والحلفاء الـ30 ضمن الناتو، ولا تعني الدول الأخرى". 

تناقض.. وغموض

وفي المقابل، فإن بوتين غاضب من توسع الناتو شرقًا والدعم الأميركي للمشاعر المؤيدة للغرب في أوكرانيا، ويعتقد المقربون منه أنه خلال تصعيد الأزمة قد نجح في إيصال القضية إلى الواجهة في واشنطن، وهنا توضح الباحثة الروسية تاتيانا ستانوفايا أنه "للمرة الأولى منذ 30 عامًا، وافقت الولايات المتحدة على مناقشة قضايا كان من المستحيل مناقشتها حتى قبل عام".

والآن بعد أن أصبح لدى الرئيس الروسي مفاوضين أميركيين على طاولة المفاوضات، فإنه ينتهج استراتيجية بوتين استراتيجية تتمثل في وضع الكثير من التحركات المحتملة على أرض الملعب مما يجعل الآخرين حالة تخمين وترقب مما يسمح له باختيار التكتيكات التي أفضل ما يناسبه مع تطور الأحداث، بحسب المحللين.

وما يثبت ذلك تصريحات ريابكوف، يوم الاثنين، عندما أخبر الصحفيين أنه لم يوجه أي إنذارات خلال المفاوضات، لكنه أضاف أنه كان "إلزاميًا تمامًا" أن تضمن الولايات المتحدة عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو أبدًا.

وقال إن روسيا لا تفرض جدولاً زمنياً محدداً، لكنها بحاجة إلى "استجابة سريعة" لمطالبها، وفي حين قال إنه "لا يوجد سبب للخوف من سيناريو تصعيد" في أوكرانيا، حذر من أن الغرب لا يزال يفشل في إدراك مدى خطورة رفض مطالب موسكو.

ولكن الرسائل المتناقضة استمرت يوم الثلاثاء عندما رد المتحدث باسم الكرملين، بيسكوف، بشأن أي تقييمات إيجابية ربما قدمها ريابكوف في اليوم السابق، ليجيب عبر مؤتمره اليومي مع الصحفيين: "في الوقت الحالي، لا نرى أي سبب جوهري يدعو للتفاؤل".

تكمن مشكلة نهج بوتين في أنه لا يمنح دبلوماسييه أي مرونة للتفاوض نيابة عن روسيا، وفي بعض الأحيان يتركهم يكافحون من أجل الحفاظ على رسالة متماسكة، إذ حذرت ستانوفايا من أنه حتى لو توصل الدبلوماسيون إلى نوع من الصفقة، فإن الصقور في موسكو الذين لديهم صلاحيات أكبر من بوتين قد يخرجوا أي اتفاق عن مساره برغبة منه.

وأشار المحللون إلى أن ريابكوف لا يعرف ماهي الخيارات العسكرية التي كان الكرملين يفكر فيها، وفقا لكلام ستانوفايا، فيما يرى مدير مركز كارنيغي للأبحاث في موسكو،ديمتري ترينين أن بوتين يستخدم أساليب "عدم القدرة على التنبؤ بأفكاره وإرسال التهديدات وخلق التوتر" لتحقيق مصالحه.

ومع ذلك، أوضح المحلل الروسي البارز لوكيانوف، إن حقيقة أن المحادثات لم تنهار على الفور تعني أن كلا الجانبين قد يريان مسارًا ما - غير مرئي حاليًا للعالم الخارجي - للوصول إلى نتائج ملموسة.

وفيما يتعلق بما ستفعله روسيا في حال فشلت المحادثات، قال لوكيانوف إن هذا الأمر يعود فقط إلى بوتين، الذي يحتكر عملية صنع القرار في السياسة الخارجية، مردفا: "على عكس قادة الحقبة السوفيتية، ليس لدى الرئيس الروسي بوتين مكتب سياسي لكبار المسؤولين ليتخذوا من خلاله قرارات جماعية"

وأكد لوكيانوف إنه لا يمكن القول بوجود أي شخص قادر على التأثير بشكل مباشر على بوتين، موضحا: "هو يتلقى المعلومات والاستشارات من هذا أو ذاك، ولكن من ينصحونه ليس لديهم أي نفوذ ولا يعلمون كيف ستسير الأمور".