تعز بين مطرقة التنظيم وسندان المعيشة.. حملة إزالة البسطات تفتح ملف البدائل

تتجه الأنظار في مدينة تعز، نحو الشرايين الرئيسة والأسواق الحيوية التي تشهد تحركات خدمية وأمنية مكثفة تقودها السلطات المحلية. تهدف هذه الخطوات رسمياً إلى استعادة الوجه الجمالي والحضاري للمدينة المنهكة، ملقية بظلالها على واحد من أكثر الملفات الحضرية والاجتماعية تعقيداً في المحافظة. 

إنه ملف البسطات العشوائية والباعة المتجولين الذين استوطنوا الأرصفة العامة طيلة سنوات الحرب، فتحولوا بفعل الحاجة وانهيار الاقتصاد إلى العصب الحيوي للتجارة الشعبية، ولكنهم في الوقت ذاته أصبحوا المسبب الأول للشلل المروري الخانق وتشويه المظهر العام.

أطلقت هذه الحملة الميدانية جدلية واسعة حول كيفية فرض هيبة القانون دون دفع آلاف الأسر نحو رصيف البطالة والعوز الإجباري.

جغرافيا التحرك الميداني والشرايين المستهدفة

انطلقت الجرافات والفرق التابعة لمكتب الأشغال العامة والطرق، مسنودة بالأجهزة الأمنية وشرطة السير، في جولة تنفيذية واسعة طالت النطاقات الجغرافية التي ظلت لسنوات تمثل عقداً مرورية مستعصية. تحركت اللجان الميدانية بناءً على توجهات الإدارة المحلية وبمتابعة مباشرة من وكلاء المحافظة ومديري المديريات في المظفر والقاهرة وصالة. شملت عملية التطهير والرفع نقاطاً استراتيجية في قلب المدينة، بدءاً من شارع جمال الذي يعد الشريان الأكبر لتعز، مروراً بمنطقة ديلوكس والمنطقة الرابعة، وصولاً إلى السوق المركزي وسوق الوليد وامتداد خط بئر باشا، بالإضافة إلى تجمعات أسواق القات العشوائية. ولم تكن هذه الخطوة مفاجئة للباعة، حيث سبقتها فترات إنذار رسمية مُنحت للمخالفين لإخلاء ممرات المشاة والأرصفة طواعية قبل التدخل الجبري.

 مخاوف..

تتأرجح ردود الأفعال في الشارع التعزي بين ارتياح واسع ووجل عميق يعكسان حجم التداخل بين الاحتياج الخدمي والوضع الإنساني. فمن جهة، يعبر المواطنون وسائقو المركبات عن تأييدهم الكامل لهذه الخطوة، مشيرين إلى أن احتلال الأرصفة اضطر العائلات والنساء والمسنين إلى السير وسط الشوارع ومزاحمة السيارات، مما تسبب بحوادث دهس متكررة وتكدس للقمامة وضياع للوقت في الاختناقات المرورية. وعلى الضفة الأخرى، يبدي صغار الباعة وأصحاب البسطات والعربات المتنقلة مخاوف بالغة من التبعات الاقتصادية القاسية، مؤكدين أن البيع في الشارع لم يكن ترفاً بل الملاذ الأخير للبقاء على قيد الحياة في ظل غلاء إيجارات المحلات وموجة التضخم وانهيار العملة، وأن إبعادهم المفاجئ قد يلحق بهم أضراراً مادية بالغة ويهدد استقرار أسرهم المعيشي.

 البدائل 

حسب تصريحات مسؤولين في أشغال وتحسين مدينة تعز صرحوا بأنه إدراكاً من الجهات التنفيذية بأن رفع البسطات دون إيجاد حلول بديلة ومستدامة سينتهي بعودتها مجدداً فور غياب الرقابة، بدأت السلطات المحلية بالعمل على مسار موازٍ يهدف إلى تأمين أسواق بديلة. وتتضمن الخطة الحالية استيعاب الباعة المتأثرين وتوجيههم نحو مساحات وساحات داخلية منظمة ومجهزة، مثل الساحات المخصصة في السوق المركزي وسوق بئر باشا، لضمان استمرار أنشطتهم التجارية بعيداً عن نهر الشارع العام. 

كما تترافق هذه الإجراءات مع خطط لنقل وتسيير فرز النقل العشوائية ومواقف حافلات الأجرة إلى محطات خارجية لتخفيف حدة الازدحام المحيط بالأسواق، تزامناً مع حصر الباعة وإعداد المخططات الحضرية لضمان توزيع عادل ومستدام يحمي حقوق صغار التجار.

معادلة الاستمرارية والعدالة لضمان استدامة النظام

يبقى التحدي الحقيقي والامتحان الأكبر للسلطة المحلية في تعز كامناً في مدى استمرارية هذه الحملة وقدرتها على تفعيل الحلول البديلة بنجاح.

إن نجاح المشروع لا يُقاس بنظافة الشوارع وخلوها من الإشغالات في أيامها الأولى، بل في قدرة الأسواق الجديدة على جذب المستهلكين وتحقيق حركة بيع وشراء حقيقية تضمن للبائعين دخلاً كريماً. تتطلب المرحلة القادمة توازناً دقيقاً ومسؤولاً يجمع بين حماية المصلحة العامة وفرض القانون، وبين المراعاة الإنسانية وحق المواطن البسيط في كسب قوته، لتبقى تعز مدينة تتسع للنظام والجمال، وتحتضن في الوقت عينه أبناءها الباحثين عن لقمة العيش بكرامة.