منتدى الشرق الأوسط: تحذيرات طهران الداخلية تكشف عمق الأزمة بعد الاتفاق مع واشنطن
في وقت يتواصل فيه الجدل بشأن الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، كشفت افتتاحية نشرتها صحيفة "جمهوري إسلامي" المحافظة في طهران عن مؤشرات على تصاعد النقاش داخل بعض دوائر المؤسسة الحاكمة بشأن مستقبل البلاد، محذرة من أن الرأي العام الإيراني لم يعد يتقبل الخطاب المتشدد أو الصراعات الفصائلية، ومؤكدة أنه "لا مكان للمتطرفين" في ما وصفته بـ"إيران الجديدة".
وبحسب تقرير أعده الصحفي ومدير التحرير السابق في إذاعة أوروبا الحرة، ماردو سوغوم، ونشره منتدى الشرق الأوسط، فإن الصحيفة اعتبرت أن غالبية الإيرانيين ترفض سجل الفصائل السياسية الحاكمة، مشيرة إلى أن المواطنين يدركون حجم الفساد الذي تراكم خلال العقود الماضية، ويتطلعون إلى محاسبة المسؤولين عنه بمجرد انتهاء تداعيات الحرب التي وصفتها بـ"المفروضة".
ويرى التقرير أن افتتاحية الصحيفة لا تمثل تحدياً مباشراً للنظام السياسي في الجمهورية الإسلامية، لكنها تعكس تنامي القلق داخل بعض أجنحة المؤسسة الرسمية بشأن كلفة السياسات الخارجية التصادمية، في ظل احتدام النقاش حول الخيارات المتاحة لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي برزت بعد الصراع الأخير.
وأشار التقرير إلى أن النظام السياسي الإيراني شهد خلال أكثر من عقدين، في عهد المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، توسعاً في نفوذ الفصائل الأيديولوجية التي عززت حضورها داخل البرلمان ومؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن الانتقادات الأخيرة توحي بأن شخصيات من داخل المؤسسة بدأت تتساءل عن قدرة هذا النموذج على الاستمرار في مواجهة التحديات الراهنة.
ورغم ذلك، لا تزال شخصيات نافذة داخل المؤسسة تشيد بالنهج الذي تبناه خامنئي في إدارة العلاقة مع الخارج، ولا سيما مبدأ "لا مفاوضات ولا حرب"، الذي استند إلى فرضية قدرة الجمهورية الإسلامية على تطوير برنامجها النووي وتوسيع نفوذها الإقليمي ومواجهة خصومها دون استدراج رد عسكري مباشر، إلا أن أحداث عام 2026، وفق التقرير، قوضت هذا التصور.
تنافس موازين القوى
ويضيف التقرير أن النظام السياسي الذي تشكل في عهد خامنئي فقد ركيزته الأساسية بعد رحيله، وأن موازين القوى باتت محل تنافس بين الأجنحة المتبقية داخل السلطة. ويشير إلى أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وحلفاءه في الحرس الثوري يبدون الأكثر نفوذاً في المرحلة الحالية، غير أن مركز القرار الذي كان يمثله مكتب المرشد الأعلى لم يعد قائماً بعد تدمير مقره في طهران خلال الضربة التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة في 28 فبراير/شباط 2026، ما جعل المؤسسة السياسية تعمل في غياب الشخصية التي تمحور حولها النظام لأكثر من ثلاثة عقود.
وبحسب التقرير، تولى مجتبى خامنئي رسمياً منصب المرشد الأعلى، إلا أن غيابه المستمر عن الظهور العلني منذ نهاية فبراير/شباط أثار تساؤلات بشأن وضعه الصحي وحجم سلطته الفعلية.
وبينما تؤكد السلطات الإيرانية أنه لا يزال يدير شؤون الدولة وتبرر غيابه باعتبارات أمنية، يواصل مراقبون التشكيك في قدرته على ممارسة مهامه، بل ويذهب بعضهم إلى إثارة تساؤلات حول بقائه على قيد الحياة، في ظل غياب أي ظهور أو خطاب موثق له حتى الآن.
ورأى التقرير أن مستقبل التوجهات السياسية للنظام لا يزال غير محسوم، إذ لم تتضح بعد مدى استعداد قاليباف وحلفائه للدفع نحو تحول أيديولوجي حقيقي في سياسات الدولة.
هدنة تكتيكية
وفي هذا السياق، نقل التقرير عن صحيفة "خراسان"، المقربة من قاليباف، أن الاتفاق مع واشنطن لا يمثل تسوية نهائية، بل مجرد هدنة تكتيكية تمنح الجمهورية الإسلامية فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية الهجومية والدفاعية والاستعداد لمواجهة مستقبلية، بما يعكس رؤية تعتبر المفاوضات وسيلة لإعادة التموضع الاستراتيجي أكثر من كونها مدخلاً للمصالحة.
وأشار التقرير إلى أن أي تغيير جوهري في سياسات إيران سيستدعي مراجعة شاملة لنهج استمر قرابة خمسة عقود في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب توسيع الحريات السياسية والاجتماعية وتعزيز المؤسسات القانونية وترسيخ المساءلة الداخلية.
ولفت إلى أن هذا السيناريو لا يزال يبدو بعيد المنال، خاصة أن الأصوات المنتقدة داخل المؤسسة، بما فيها صحيفة "جمهوري إسلامي"، تركز على إصلاحات ضمن الإطار القائم بدلاً من الدعوة إلى إعادة هيكلة النظام السياسي الذي أوصل البلاد إلى أزماتها الحالية.