جمهورية القوى المتعددة.. كيف ينهش صراع الأجنحة تماسك النظام الإيراني؟
قال منتدى الشرق الأوسط، في تقرير حديث، إن الانتقادات التي نشرها موقع تسنيم، المرتبط بـالحرس الثوري الإسلامي، تكشف عن أبعاد أعمق من مجرد خطاب "وحدة" أو انقسام سياسي تقليدي داخل إيران، في إشارة إلى إطار تفاوضي من عشر نقاط طرحه مجتبى خامنئي، وما أعقبه من ردود فعل متشددة.
ويعكس هذا الجدل، وفقاً للمنتدى، تصدعاً متزايد الوضوح -وإن ظل تحت السيطرة- بين تيارين رئيسيين داخل بنية الحكم في الجمهورية الإسلامية: النخبة الأمنية التقليدية المرتبطة بالحرس الثوري، والمتشددين الأيديولوجيين الذين يلتفون حول شخصيات مثل سعيد جليلي.
ورجّح التقرير التحليلي، الذي أعده الصحفي ماردو سوغوم، المدير السابق للتحرير في إذاعة أوروبا الحرة، أن يكون رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أقرب إلى دوائر الحرس الثوري التي قد تنظر إلى خطة النقاط العشر بوصفها جامدة ومفرطة في التشدد.
في المقابل، يقف آخرون يتحدثون نيابة عن مجتبى خامنئي، ويطرحون شروطاً مسبقة صارمة لأي محادثات محتملة مع الولايات المتحدة.
الحرس الثوري ليس موحداً
وبحسب التقرير، فإن هذه التوترات ليست جديدة في جوهرها، إذ ظل التنافس قائماً لسنوات بين معسكر جليلي الأيديولوجي وشخصيات مثل قاليباف، وغالباً ما تمحور حول رؤى متباينة للحفاظ على النظام. غير أن السياق الذي يظهر فيه هذا التنافس تغيّر بشكل ملحوظ. فبعد وفاة علي خامنئي، غابت الشخصية التي كانت تدير هذه التناقضات وتوازن بينها لعقود، معتمدة على أسلوب قيادة يقوم على الغموض وضبط إيقاع الصراع دون السماح له بالانفجار العلني.
ويشير التقرير إلى أن هذه الآلية التنظيمية بدأت تضعف. فمجتبى خامنئي، الذي يظل بعيداً عن الواجهة، لم يتمكن من ترسيخ مستوى مماثل من السلطة. كما لا يزال الغموض يحيط بقدرته على أداء دور قيادي فعلي، أو حتى وضعه الحالي.
ويرى محللون أن موقعه يعتمد بدرجة كبيرة على قادة الحرس الثوري، مع غياب شرعية مستقلة واضحة، في وقت تتوزع فيه السلطة الفعلية عبر شبكات أمنية متعددة بدلاً من تمركزها في قمة هرم السلطة. وقد أفسح ذلك المجال لظهور التنافسات بشكل أكثر علنية، خصوصاً في ظل الحرب والضغوط الاقتصادية والتقلبات الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى أن الحرس الثوري ليس كياناً موحداً، بل شبكة معقدة من مراكز القوى ذات المصالح المتداخلة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. ويبرز هنا الفرق بين “الدوائر التقليدية” المرتبطة بمؤسسات الدولة والبنية الاقتصادية، وبين التيار الأيديولوجي الأكثر تشدداً، والذي يرتبط غالباً بحركات مثل جبهة بايداري.
ويعكس الخلاف حول إطار النقاط العشر، وفق التقرير، صراعاً استراتيجياً لا خلافاً على الأهداف. فكلا المعسكرين يسعى إلى بقاء النظام، لكنهما يختلفان في الوسائل: إذ يرى المتشددون أن المواجهة والجمود الأيديولوجي ضروريان للحفاظ على الردع والشرعية، بينما تميل بعض الأوساط المرتبطة بالحرس الثوري، إلى جانب فاعلين غير عسكريين، إلى إدراك القيود التي يفرضها الانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية والضغط العسكري، ما قد يدفعهم نحو مرونة تكتيكية أكبر.
ويكتسب هذا التباين أهمية إضافية مع انتقاله إلى المجال العام. فبعد أن كانت هذه الخلافات تُدار داخل أروقة النخبة، يشير اللجوء إلى النقد الإعلامي وأعمال رمزية، مثل الكتابة على الجدران، إلى تراجع مستوى الانضباط الداخلي في أطراف النظام. ورغم أن ذلك لا يشير إلى انهيار وشيك، فإنه يعكس تصاعد الضغوط.
ويضيف التقرير أن المتشددين اعتادوا في السابق مهاجمة ما يُعرف بتيار “الإصلاحيين”، لكن الهجمات المتبادلة بين أطراف تنتمي إلى المعسكر المتشدد نفسه، بما في ذلك عناصر مرتبطة بالحرس الثوري، ظلت نادرة، خاصة في القضايا الكبرى مثل المفاوضات النووية.
انقسامات عسكرية إقليمية
ومع ذلك، يحذر التقرير من التسرع في تفسير هذه التطورات بوصفها انقساماً مؤسسياً حاسماً. إذ لا يزال الهيكل القسري للدولة، المتمثل في منظومة قيادة الحرس الثوري، متماسكاً من الناحية العملياتية، دون مؤشرات على وجود سلاسل قيادة متنافسة أو انقسامات عسكرية إقليمية. وطالما بقي هذا الهيكل قائماً، يحتفظ النظام بقدرته على احتواء التوترات الداخلية.
ويخلص التقرير إلى أن ما تشهده إيران هو مرحلة انتقالية، تراجع فيها مركز الثقل القيادي، بينما لم يتمكن الخليفة المحتمل من تثبيت سلطته، ما يتيح لمراكز القوى المختلفة اختبار حدود نفوذها بشكل متزايد.
وفي ظل هذا الواقع، يتصاعد التنافس على الموارد والنفوذ والتوجهات الاستراتيجية، مدفوعاً أيضاً بالدور الاقتصادي الواسع للحرس الثوري، الذي يمتد إلى قطاعات رئيسية من الاقتصاد الإيراني، حيث يرتبط النفوذ السياسي بشكل وثيق بالسيطرة على الثروة وشبكات المصالح.
ويؤكد التقرير أن الخطر لا يكمن في انهيار فوري، بل في تآكل تدريجي لقدرة النظام على الحفاظ على تماسكه. فقد اعتمدت الجمهورية الإسلامية تاريخياً على موازنة دقيقة بين الفصائل تحت مظلة سلطة مركزية قوية، ومع تراجع هذه الركيزة، قد تتحول حتى الانقسامات المحدودة إلى تحديات أكثر خطورة بمرور الوقت.