مطالبات بمساواتهم بالعسكريين.. كيف انهارت رواتب المعلمين في اليمن وسط اقتصاد حرب بلا رقابة؟
في مدارس العاصمة اليمنية المؤقتة عدن ومحافظات أخرى خاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، لم يعد الجدل حول جودة التعليم أو تطوير المناهج أولوية لدى آلاف المعلمين، بقدر ما بات الصراع اليومي يدور حول البقاء.
يأتي ذلك في ظل إفادات نقابية ووثائق صرف حكومية، كشفت بأن رواتب المعلمين باتت لا تتجاوز قيمتها الفعلية 200 ريال سعودي شهرياً بعد أن كانت قبل اندلاع الحرب تساوي (ألف ريال سعودي)، لتضعهم في مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي قاسٍ، في وقت يحصل فيه حالياً منتسبو المؤسستين العسكرية والأمنية على رواتب تصل إلى نحو ألف ريال سعودي (ما يعادل 425 ألف ريال يمني).
وتعود جذور الأزمة إلى الانهيار المتواصل للعملة المحلية منذ اندلاع الحرب عقب انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانياً في 21 سبتمبر/أيلول 2014.
وبحسب بيانات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد الريال اليمني أكثر من 90 بالمئة من قيمته مقارنة بما قبل الحرب، مع أن الخسارة الحقيقية للعملة تجاوزت هذه النسبة لا سيما بعد أن تجاوزت قيمة شراء الدولار الأمريكي الواحد مطلع العام الفائت ألفي ريال، قبل أن تتراجع قيمة الدولار في النصف الثاني من العام إلى 1615 ريالاً، و425 ريالاً للريال السعودي، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية التي ارتفعت بنسب تجاوزت 1200 بالمئة، فيما سجلت بعض المواد الغذائية والوقود زيادات فاقت 1500 بالمئة، في واحدة من أسوأ موجات التضخم عالميًا خلال العقد الأخير.
رواتب بلا معنى اقتصادي
ورغم هذا الانفجار في الأسعار، بقيت الرواتب الحكومية شبه مجمدة، إذ يتقاضى الموظفون المدنيون، بمن فيهم المعلمون، رواتب تتراوح بين 50 و80 ألف ريال يمني (ما بين 118 و 189) ريالاً سعودياً، وهي مبالغ لم تعد، وفق خبراء اقتصاديين ومصادر نقابية تربوية تحدثوا لوكالة "خبر" تغطي سوى أيام محدودة من الاحتياجات الأساسية.
ويقول معلمون في عدن وتعزن إن إيجارات الشقق السكنية وحدها باتت تبتلع ضعفي الراتب الشهري، في ظل ارتفاع أسعار العقارات ونقص المعروض وغياب أي سياسات دعم سكني.
تفكك الإيرادات العامة
في احتجاجاتهم وبياناتهم، يوجّه المعلمون اتهامات مباشرة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وللتحالف العربي الداعم لها بقيادة السعودية، معتبرين أن الطرفين يتحملان المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تدهور أوضاع الموظفين.
وقالوا لوكالة خبر، إن الفشل في استعادة مؤسسات الدولة من مليشيا الحوثي طوال أكثر من عشر سنوات حوّل الموظف الحكومي إلى ضحية دائمة لسياسات مالية مرتجلة، دون أي شبكات أمان أو إصلاحات حقيقية.
وتشير إفادات معلمين وخبراء اقتصاد إلى أن الحرب لم تؤدِّ فقط إلى تعطيل مؤسسات الدولة، بل أسهمت في تفكك منظومة الإيرادات كاملة.
وتوضح مصادر حكومية واقتصادية لوكالة خبر، أنه ظهر السنوات الماضية، تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة في مناطق الحكومة، استحوذ كل منها على جزء من الموارد العامة، سواءً من الجمارك أو الضرائب أو الموانئ، بالإضافة إلى فرض نقاط جبايات على شاحنات نقل البضائع، وجرى توجيه تلك الإيرادات بعيداً عن الخزينة العامة، في وقت ظل فيه المعلمون والموظفون المدنيون خارج أولويات الصرف.
الحوثيون واقتصاد الحرب
في المقابل، تتهم تقارير صادرة عن الأمم المتحدة وخبراء دوليين مليشيا الحوثي بإدارة اقتصاد موازٍ في مناطق سيطرتها، يعتمد على إيرادات ميناء الحديدة، وضرائب شركات الاتصالات والهواتف المحمولة، إضافة إلى فوارق أسعار المشتقات النفطية والغاز، التي ارتفعت قيمتها بنحو خمسة أضعاف.
وتقول هذه التقارير إن الجزء الأكبر من تلك العائدات يُدار خارج الموازنة العامة، ويصب في صالح شبكات نفوذ وتجار سوق سوداء، بينما يُحرم مئات آلاف الموظفين الحكوميين في تلك المناطق من رواتبهم منذ نحو تسع سنوات.
تكلفة مضاعفة
ولا تتوقف معاناة المعلمين عند حدود الراتب، إذ يتزامن ذلك مع انهيار واسع في الخدمات الأساسية، فعلى سبيل المثال باتت الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، خدمات نادرة أو مرتفعة الكلفة، حتى في المناطق الخاضعة للحكومة.
ويؤكد اقتصاديون أن المواطن بات يدفع "ضريبة غير معلنة" مقابل فشل الدولة، عبر لجوئه إلى القطاع الخاص لتأمين خدمات كان يفترض أن توفرها الحكومة.
ويحذر مختصون في الشأن التربوي من أن استمرار تهميش المعلمين سيترك آثاراً طويلة الأمد على التعليم في اليمن، الذي تصفه الأمم المتحدة بأنه أحد أكثر القطاعات تضرراّ من الحرب.
فبحسب التقارير الدولية والأممية، تسبب ضعف الأجور في دفع آلاف المعلمين إلى ترك المهنة أو البحث عن أعمال إضافية، الأمر الذي انعكس على انتظام العملية التعليمية وجودتها، وفاقم من معدلات التسرب المدرسي، خصوصًا في الأسر الفقيرة.
حلول ترقيعية.. وتهديد بالتصعيد
ورغم وعود حكومية متكررة بمعالجة ملف الرواتب وتحسين الوضع المعيشي، لا يرى المعلمون أي خطوات عملية على الأرض.
ويقول المعلمون الذين تحدثوا لوكالة خبر، إن الحلول الجزئية، مثل المنح المؤقتة أو الزيادات المحدودة، لم تعد مجدية في ظل تضخم جامح وانهيار اقتصادي شامل، مطالبين بإصلاحات هيكلية تشمل توحيد الإيرادات، وضبط الإنفاق العسكري، وربط الأجور بسلة أسعار حقيقية.
وطالبوا بتعويضهم مالياً عن السنوات التي مضت كاملة من خلال دفع هذه التعويضات خلال مدة لا تتجاوز عاماً واحداً يُقسم إلى أربعة فصول يتم في كل فصل دفع تعويضات 3 أعوام، مع التزام الحكومة والسعودية على أن تصرف حالياً الرواتب للعام الجاري شاملة فارق التسوية وبشكل منتظم.
وتشير التقارير إلى أن المعلم يبقى عالقاً بين فكي حكومة تعاني من الانقسام وضعف الإدارة والموارد، ومليشيا إرهابية مدعومة إيرانياً تسيطر على الجزء الأكبر من الإيرادات في مناطق نفوذها، ما يجعلهم يدفعون ثمن حرب لم تصنعها أيديهم، ونظام اقتصادي انهار دون أن يجد من يعيد بناءه.
ومع دخول الحرب عامها الثاني عشر، يطرح المعلمون سؤالًا واحداً: إلى متى يبقى التعليم آخر ما تفكر فيه الدولة؟ مؤكدين أنه في حال استمرار الحكومة والتحالف العربي بالتعاطي معهم بنفس السياسة الحالية سيلجأون إلى التصعيد وشل العملية التعليمية كاملة، ولكن هذه المرة لن تكون بنفس آلية الإضرابات السابقة التي اعتادت الحكومة مجابهتها بحلول ترقيعية، وإنما بإجراءات أكثر صرامة.