الوطن ليس غنيمة… بل هوية لا يفهمها السفهاء
لم يتعامل المواطن في المحافظات الشمالية مع الوطن يوماً بوصفه قطعة أرض أو ملكية خاصة قابلة للبيع أو الابتزاز، بل نظر إليه دائما على أنه هوية جامعة وانتماء عميق؛ أرض وشعب وتاريخٌ وقيم وتقاليد مشتركة، ولهذا، حين اشتد الأذى، وحين تتابعت الجراح، لم نسمع صراخا ولا شتائم، ولم نر خطابات حقد ولا دعوات كراهية، بل صبرا وحلما وترفعا يليق بمن يفهم معنى الوطن..
وعلى النقيض من ذلك، ظهر – ولا نعمم – خطاب سفيه صادر عن بعض أبناء المحافظات الجنوبية، جرد الوطن من معناه، وحوله إلى لافتة ابتزاز، وقضية جزئية، ومشروع تقسيم، متناسيا أن ما يسميه “قضية جنوبية” هو في جوهره قضية يمنية عامة لو أريد لها أن تفهم بصدق، لا أن تستغل بسوء نية..
صبر الشمال… تاريخ من الجراح لا من الضجيج
منذ مطلع السبعينيات، وتحت شعارات زائفة، أشعلت حروب المناطق الوسطى عبر ما سمي بـ«الجبهة الديمقراطية»، وزرعت قرابة سبعة ملايين لغم ما تزال تحصد أرواح الأبرياء ومواشيهم حتى اليوم وسممت آبار مياه الشرب ومع ذلك، لم يتحول الألم إلى خطاب كراهية، ولم يستثمر الدم في سوق المزايدات المناطقية..
في يناير 1986، حين التهم الصراع الرفاقي عدن، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا، وفر مئات الآلاف إلى المحافظات الشمالية، فُتحت لهم البيوت قبل المدن، ولم ينظر إليهم كغزاة أو غرباء، لأن الجغرافيا في وعي المواطن الشمالي ليست ملكا حصريا، بل وطن يتسع لكل اليمنيين..
وحين انهارت المنظومة الشرقية عام 1990، وهرب قادة الجنوب إلى الوحدة، لم تفرض عليهم، بل أصروا عليها اندماجية، وحملت دولة الوحدة سبعة مليارات دولار ديونا، واستوعب مئات الآلاف من غير المؤهلين في الجهاز الوظيفي فقط لانتمائهم السياسي، دون أن يرفع صوت شمالي واحد يسأل: لماذا.!؟
1994… الوحدة التي منعت الانتقام
في عام 1994، اتخذ قرار الانفصال، ودخلت البلاد حربا حسمت لصالح الوحدة، لكن الأهم من الحسم العسكري هو ما تلاه: عفو عام، وتجنيب المحافظات الجنوبية انتقاما كان من الممكن أن يكون امتدادا لمجازر يناير 86، أُغلقت صفحة الدم، لا ضعفا، بل إيمانا بأن الوطن لا يبنى بالثأر..
ثم اتجهت جل ميزانية الدولة إلى مشاريع في المحافظات الجنوبية، لتعويض ما أهمله الحزب الاشتراكي لعقود، ولم يقل الشماليون يوما: لماذا الجنوب؟ لأن من يرى الوطن هوية، لا يحاسب بالمناطق..
من المظلومية إلى الابتزاز
بدلا من توحيد الجهد لإسقاط الفساد، انزلق ما سمي بـ«الحراك الجنوبي» إلى خطاب مناطقي، مدفوع بأموال الخارج، رافعا شعار المظلومية والإقصاء، لا لمعالجتها، بل لاستثمارها سياسيا..
جاء مؤتمر الحوار فأقر تقاسم السلطة مناصفة، رغم الفارق السكاني، ثم جاء اتفاق الرياض، وحكومة مناصفة أخرى، لكن القوة فرضت واقعا آخر:
80% من الحكومة بيد المجلس الانتقالي، ومنع الوزراء الشماليين من ممارسة أعمالهم في عدن..
لاحقوا المواطنين، طردوهم من بيوتهم وممتلكاتهم بطرق بشعة ولا إنسانية، فقط لأنهم شماليون، وفي المقابل؟ لم نسمع عن حملات انتقام في الشمال، ولا حتى من جماعة الحوثي ذات الخطاب العنصري، لأن فكرة الوطن في الوعي الشمالي أقوى من ردود الفعل الغريزية..
خلاصة القول
الفرق ليس بين شمالٍ وجنوب، بل بين من يفهم الوطن هوية ومن يراه غنيمة، بين من يصبر ويتحمل ويترفع، ومن يصرخ ويبتز ويتاجر بالدم والذاكرة..
هذا المقال ليس شتيمة لأحد، ولا تبرئة لأحد، بل شهادة للتاريخ، ورسالة للأجيال التي ولدت بعد الوحدة، وتعرضت لتضليل ممنهج:
الوطن لا يختزل في منطقة، ولا يختطف باسم قضية، ولا يبنى بالحقد، الوطن يحتاج إلى أولئك الذين يعتزون بهويتهم، أما السفهاء، فسيبقون يصرخون…
لأن من فقد الانتماء، فقد أعظم ما يملك الإنسان..