مئات اليمنيات في طوابير الخبز بإب… الجوع حين يصبح مشهداً يومياً في مناطق سيطرة الحوثيين

في نهار رمضان، اصطفت مئات النساء في ساحة مدرسة الشهيد الصباحي جوار جرعان بمدينة إب، بانتظار وجبة بسيطة تسد جوع أطفالهن.

مشهد موجع، يتكرر يومياً، ويختصر واقع محافظةٍ تحولت من أرض خضراء وذات ايراد مالي ضخم إلى ساحة انتظار.

الوجبات يوزعها “مطبخ سفراء الخير”، مبادرة خيرية يمولها فاعلو خير، أبرزهم رجل يُعرف بأبي ياسر، لتغطية احتياجات نحو 1200 أسرة يومياً.

مبادرة إنسانية خالصة، لا صلة لها بسلطة الانقلاب الحوثي، ولا بميزانياتها ولا بجباياتها.

محافظة تُجبى… ولا تُرعى

إب ليست محافظة معدمة. تُحصّل فيها أموال باسم الزكاة، وباسم الأوقاف، وباسم الأشغال والنظافة، إضافة إلى رسوم وإتاوات تطال التجار وأصحاب المحال.

هذه الموارد تُدار مركزياً عبر سلطة مليشيات الحوثي في صنعاء، بينما يقف فقراء المحافظة في طوابير ينتظرون وجبة من تبرعات فاعلي الخير.

السؤال الذي يتردد في الشارع... أين تذهب حصيلة الزكاة الرسمية؟ وأين عوائد الأوقاف؟ وكيف تُجبى الرسوم باسم الخدمات في مدينةٍ تتكئ على مطبخ خيري لإطعام أسرها؟

الماكينة الإعلامية… حين يُسوَّق الجوع كفضيلة

الأشد قسوة من الجوع ذاته، هو الخطاب الذي يحاول تبريره.

ماكينة إعلامية واسعة، تدور بلا توقف، تلمّع صورة السياسات الحوثية نفسها التي أفقرت الناس.

تُحوّل الطوابير إلى “نماذج صمود”، وتُقدَّم المعاناة كأنها تضحية وطنية، وتُختزل الكارثة الاقتصادية في شماعة خارجية واحدة، بينما يُمنع أي نقاش جاد حول إدارة الموارد المحلية.

في نشراتهم، لا مكان للأمهات المنتظرات تحت الشمس، إلا كخلفية عاطفية لخطاب تعبوي.

لا حديث عن الجبايات اليومية، ولا عن الرواتب المتوقفة، ولا عن فجوة تتسع بين ما يُحصَّل وما يُعاد إلى المجتمع.

كل انتقاد يُصنَّف خيانة، وكل سؤال يُجرَّم، وكأن المطالبة بالخبز خروجٌ على القضية والدين، والولاء.

المفارقة أن الخطاب ذاته يتحدث عن العدالة والإنصاف، بينما الواقع يُظهر اقتصاداً قائماً على التحصيل الصارم دون شفافية أو مساءلة.

الجوع يُعاد تعريفه إعلامياً، لا حلاً له، بل تجميلاً له.

نساء اليمن… الكرامة على حافة الانتظار

في الصورة، كانت النساء هن الواجهة.

أمهات وزوجات خرجن بحثاً عن وجبة لأطفالهن.

كثيرات فقدن مصادر الدخل أو أُثقلن بأعباء إضافية في ظل تضييق اقتصادي متواصل.

الطابور هنا ليس مجرد اصطفاف، بل تعبير عن انكسار اجتماعي عميق.

حين تتحول الأم إلى طالبة مساعدة يومية في مدينة تُجبى مواردها بالمليارات، فإن المسألة لم تعد أزمة عابرة، بل بنية اختلال ممتدة.

الكرامة تُختبر كل يوم، لا بالشعارات، بل بالقدرة على تأمين لقمة دون انتظار.

بين التكافل والغياب المتعمد للمساءلة

المبادرات الخيرية في إب تمثل وجهاً مضيئاً للمجتمع، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الفراغ المؤسسي.

العمل الأنساني والخيري أصبح بديلاً اضطرارياً عن دور يفترض أن تؤديه مؤسسات تمتلك الموارد والصلاحيات.

الصورة التي خرجت من ساحة مدرسة الشهيد الصباحي بمدينة إب ليست مجرد مشهد رمضاني عابر. إنها شهادة على اقتصاد يَجبي بقوة، ويُعيد بقدر ضئيل، ثم يسخّر إعلامه لتبرير الفجوة.

وبين الجباية والطابور، يقف المواطن وحيداً، يدفع مرتين... مرة من جيبه، ومرة من كرامته.