عمليات تسريح واسعة في الإدارة الأمريكية تهدد الخدمات العامة وتثير مخاوف سياسية

أفادت تقارير بأن عمليات فصل جماعية للموظفين الفيدراليين، تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأت تُظهر تداعياتها على الخدمات الحكومية الحيوية، من مكافحة الحرائق إلى الرعاية الصحية، ما يهدد بإثارة ردود فعل سياسية واسعة.

أفادت مجلة "بوليتيكو" الأمريكية، في تقرير لها، أن الأمريكيين قد يشعرون قريباً بتداعيات قرار إدارة ترامب بفصل آلاف الموظفين الحكوميين، مما سيؤثر على السلامة العامة، والمزايا الصحية، والخدمات الأساسية التي يعتمدون عليها.

وأدى توجيه ترامب بتقليص آلاف الوظائف في الوكالات المختلفة إلى خلق فجوات كبيرة في الحكومة، حيث تم تسريح آلاف الموظفين من وزارة التعليم، ومكتب إدارة شؤون الموظفين، ووزارة شؤون المحاربين القدامى، وغيرها من الوكالات، وفق "بوليتيكو".

الشراء الطوعي

وفي خدمة الغابات الأمريكية، حيث من المقرر إلغاء نحو 3,400 وظيفة، سيتم تقليص جهود الوقاية من حرائق الغابات في الوقت الذي تواجه فيه الولايات الغربية موسم حرائق مدمر، أدى إلى احتراق ملايين الأفدنة في كاليفورنيا.

كما لم تسلم مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها من هذه الإجراءات؛ حيث تم تسريح ما يقرب من نصف موظفيها تحت التجربة البالغ عددهم 2,800 موظف، بينما قبل حوالي 400 موظف عرض "الشراء الطوعي"، مما يعني أن الوكالة المسؤولة عن حماية الأمريكيين من تفشي الأمراض والمخاطر الصحية الأخرى ستفقد نحو عُشر قوتها العاملة.

وبالإضافة إلى ذلك، تم فصل أكثر من 2,000 موظف تحت التجربة في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، التي تعد الوكالة الأم للمراكز.

مسؤول في خدمة الغابات، رفض الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام: "المعنويات في أدنى مستوياتها".

وأضاف: "سيرى الجمهور ذلك هذا الصيف عندما يتم إغلاق المخيمات، ولا تتم صيانة المسارات، ولا تُنظف الحمامات".

وبحسب التقرير، فإذا أدت عمليات تقليص الحكومة الفيدرالية إلى عواقب سلبية فورية على الشعب الأمريكي، فقد تواجه إدارة ترامب رد فعل سياسياً من الناخبين في الولايات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، خاصةً عندما يجدون أن العديد من الخدمات – بما في ذلك الوصول إلى المواقع الإلكترونية الحكومية أو حتى المزايا – قد اختفت فجأة.
قيادة إيلون ماسك

وتدار وكالة إدارة شؤون الموظفين، التي تُعتبر بمثابة إدارة الموارد البشرية للحكومة الفيدرالية، منذ أسابيع من قبل أشخاص مرتبطين بإيلون ماسك. وقد قامت الوكالة، التي سرّحت أيضاً عدداً من الموظفين، بإرسال إشعار "مفترق الطرق" إلى الموظفين الفيدراليين، مما يتيح لهم خيار الاستقالة مقابل الحصول على راتب حتى شهر سبتمبر (أيلول) دون العمل.

ورفعت النقابات العمالية دعوى قضائية لوقف البرنامج مؤقتاً، لكن قاضٍ فيدرالي حكم بإمكانية استمراره لأن ممثلي النقابات ليس لديهم الأهلية القانونية للطعن. عقب ذلك، أعلنت إدارة ترامب أنه لن يُسمح لأي موظف فيدرالي آخر بالانضمام إلى البرنامج، وفي اليوم التالي استؤنفت عمليات فصل الموظفين الخاضعين للتجربة.


وقال شخص مطّلع على عمليات التسريح في مكتب إدارة شؤون الموظفين: "لم نفصل فقط الموظفين الخاضعين للتجربة".

وأضاف: "لقد قمنا بفصل قسم الاتصالات بالكامل"، بالإضافة إلى موظفين دائمين.

وأشار المصدر إلى أنه قد يتم تسريح ما يصل إلى 200,000 موظف مدني فيدرالي كانوا في فترة التجربة هذا الأسبوع.
التأثيرات المحتملة

وقد حدثت عمليات الفصل بسرعة كبيرة هذا الأسبوع، لدرجة أن بعض موظفي خدمة الغابات تلقوا إشعاراً بفقدان وظائفهم قبل حتى أن يكون هناك أي مستندات رسمية يوقعونها.

ومع بدء موسم الحرائق في أريزونا ونيو مكسيكو، كان من المعتاد أن ترسل خدمة الغابات موظفين من كاليفورنيا للمساعدة، لكن هذا لم يعد ممكناً بعد عمليات الفصل وتجميد التوظيف. وهذا يعني أن الأعمال الأساسية، مثل رسم خرائط انتشار الحرائق، والتحضير للحرائق الوقائية، وحتى إرسال موظفين غير مختصين بالحرائق للمساعدة، لن تتم.

وقال النائب الديمقراطي جاريد هوفمان من كاليفورنيا إن عمليات التسريح في خدمة الغابات سيكون لها "آثار مدمرة" على جهود التخفيف من حرائق الغابات، مشيراً إلى أن مشاريع السلامة من الحرائق قد تم تعليقها بالفعل.

وأضاف: "نحن على وشك أن نخسر موسماً كاملاً من العمل الحيوي، وهذا سيؤدي إلى تفاقم المشكلة. من الذي سيرغب في العمل لدى خدمة الغابات الأمريكية الآن؟".
التسريحات تمتد إلى وكالات أخرى

استهدفت إدارة ترامب، إلى جانب فريق ماسك في وزارة كفاءة الحكومة، الموظفين الخاضعين للتجربة عبر الوكالات الفيدرالية، نظراً لأنهم يتمتعون بحماية أقل ويمكن فصلهم بسهولة أكبر.

ووفقاً لمصدرين تحدثا مع موقع "بوليتيكو"، تم فصل حوالي 2,300 موظف تحت التجربة من وزارة الداخلية، التي تدير أكثر من 500 مليون فدان من الأراضي الفيدرالية.

كما تم فصل ما يقرب من 780 موظفاً من خدمة المتنزهات الوطنية، مما قد يؤدي إلى إلغاء الجولات السياحية وربما إغلاق مراكز الزوار إذا لم يتم تعيين بدائل بحلول يوم الإثنين.


تداعيات سياسات ترامب

لن تؤثر هذه التخفيضات فقط على الزوار والموظفين المسرحين، بل قد تعرقل أيضاً خطط ترامب لزيادة إنتاج الطاقة على الأراضي العامة.

وقال ستيف فيلدغوس، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الداخلية لشؤون الأراضي والموارد المعدنية خلال إدارة بايدن: "إذا كنت تريد توسيع إنتاج النفط والغاز على اليابسة، فأنت بحاجة إلى مخططي استخدام الأراضي، والمتخصصين في العقارات، والعلماء البيئيين، والمهندسين، وغيرهم".

وأضاف: "ما يفعلونه سيؤذي الكثير من الناس ولن يساعدهم في تحقيق أهدافهم السياسية".

وفي وزارة الطاقة، قد تؤثر عمليات الفصل بشكل مباشر على إدارة منشآت تخزين الأسلحة النووية والتخلص منها، وكذلك على جهود مكافحة الإرهاب النووي عالمياً. ووفقاً لمصادر، تم فصل 325 موظفاً من الإدارة الوطنية للأمن النووي، وهي إحدى الوحدات الرئيسية في وزارة الطاقة التي تدير الردع النووي الأمريكي بالتنسيق مع الجيش.
حالة من عدم اليقين

في إدارة الخدمات العامة، انتشرت شائعات بين المشرفين بأن إشعارات الفصل كان من المفترض أن تُرسل للموظفين منذ بعد ظهر الأربعاء، لكنها لم تصل إلى صناديق البريد الإلكتروني حتى منتصف ليل الخميس وصباح الجمعة.

ووفقاً لمسؤول في الإدارة، فإن "الأمر يشبه إعصاراً ضربنا وما زلنا نقيم حجم الأضرار".
تهديد لصرف المزايا الاجتماعية

قد تؤدي التخفيضات العشوائية في إدارة الخدمات العامة إلى إلحاق الضرر بملايين الأمريكيين الذين يعتمدون على خدمات الوكالة، مثل نظام Login.gov، الذي يُستخدم للوصول إلى الرعاية الصحية مثل ميديكير وميديكيد والضمان الاجتماعي.

وفي مذكرة داخلية حصلت عليها "بوليتيكو" بعد ساعات من موجة الفصل الأولى، شكر القائم بأعمال المدير ستيفن إهيكيان الموظفين المسرحين والذين قبلوا عرض الشراء الطوعي على "عملهم الجاد" و"خدمتهم للأمة"، لكنه لم يذكر بشكل مباشر موجة التسريحات التي أثارت الذعر بين الموظفين.

وقد تركت هذه الفوضى العديد من الموظفين الذين لم يُفصلوا بعد في حالة من القلق وعدم الاستقرار، حيث قال أحدهم: "تخيل أنك تجلس في مكتبك بينما ترى زملاءك يُفصلون دون سابق إنذار. الجميع مذعورون، ينتظرون اتصال الهاتف الذي سيبلغهم بأنهم التاليون على القائمة"