بين الأدلجة الحوثية والغياب الحكومي.. الهوية اليمنية تحت مقصلة التوغل الخميني
صنعاء ــ خبر للأنباء ــ تقرير خاص:
تشهد البنية الاجتماعية والفكرية في اليمن فصلاً هو الأخطر في تاريخ البلاد الحديث، حيث تمضي مليشيا الحوثي الإرهابية بخطى متسارعة وممنهجة نحو تفخيخ عقول الأجيال وتدمير الهوية الوطنية الجامعة لصالح مشروع فكري دخيل ومستورد بالكامل من أدبيات الثورة الخمينية الإيرانية.. وفي مقابل هذا الزحف العقائدي المكثف الذي يجتاح المدارس والمساجد والجامعات ووسائل الإعلام في مناطق سيطرة الانقلاب، تبرز علامات استفهام كبرى وتساؤلات مريرة حول طبيعة وحجم وحضور الدور الذي تبذله الجهات والمؤسسات المعنية التابعة للحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً، إذ يرى مراقبون وخبراء تربويون وأكاديميون أن الأداء الرسمي للحكومة لا يزال يتسم بالقصور الشديد والموسمية، والغياب شبه التام عن خوض معركة فكرية وتنويرية حقيقية تحصن النشء والمجتمع من مخاطر هذه الأفكار الهدامة التي تهدد بإنتاج جيل مشبع بثقافة العنف والموت وتكفير الآخر.
تفكيك السلم المجتمعي
لم يعد خافياً على أحد أن الفكر الذي تسوقه المليشيا الحوثية بقوة السلاح والترهيب لا يمت بصلة إلى المذاهب الفقهية التاريخية التي تعايش عليها اليمنيون طوال قرون، بل هو امتداد مباشر للفكر الاثني عشري وصيغته السياسية المتمثلة في نظرية ولاية الفقيه التي صاغها الخميني في إيران، وتقوم هذه الأيديولوجيا الدخيلة على ركيزة أساسية تعيد صياغة مفهوم الدين والدولة والاجتماع البشري بناءً على حصر الحق الإلهي في الحكم والسيادة والثروة في سلالة بعينها، معتبرة أن التسليم والولاء الأعمى لزعيم المليشيا هو أصل من أصول العقيدة ولا يكتمل إيمان المرء إلا به.
ويسعى هذا المشروع بوضوح إلى قطع صلة اليمن بمحيطه العربي التاريخي، وتحويل المجتمع اليمني من مجتمع يعتز بهويته العربية القومية والجمهورية إلى مجتمع تابع لولاية الفقيه في طهران، مستخدماً شتى الوسائل النفسية والتعبوية لغرس قيم العداء والكراهية للمجتمعات والدول المجاورة، وتشويه ثوابت الهوية الوطنية اليمنية التي أرستها ثورتا سبتمبر وأكتوبر الخالدتان.
مواسم طائفية وفرض جبايات
تتعامل المليشيا الحوثية مع العام الهجري كأجندة ممتلئة بالمناسبات والفعاليات المستمرة التي لا تنتهي، حيث تخصص لها موازنات مالية ضخمة وإمكانيات لوجستية وبشرية هائلة تُنتزع قسراً من قوت الشعب المنهك، وتأتي مناسبة ما يسمى بيوم الولاية أو عيد الغدير على رأس هذه المناسبات التي توظفها المليشيا لشرعنة انقلابها وتكريس فرضيتها العنصرية في الحكم، ولا تقتصر الفعاليات الحوثية على هذا اليوم الفارق في أدبياتهم، بل تمتد طوال العام لتشمل مناسبات متعددة مثل ذكرى المولد النبوي التي يتم إخراجها عن سياقها الديني الروحاني وتحويلها إلى تظاهرة سياسية عسكرية لاستعراض القوة وفرض الجبايات، وكذا ذكرى الصرخة الخمينية، وأسبوع الشهيد، وذكرى مقتل الهالك حسين الحوثي، ويوم القدس العالمي بالصيغة الإيرانية، وعيد الغدير، والذكرى السنوية للانقلاب المشؤوم في الحادي والعشرين من سبتمبر.
وتتحول هذه المناسبات إلى مواسم إجبارية لجمع الأموال الطائلة من التجار والمواطنين عبر حملات الابتزاز والترهيب، وتوظيف تلك الأموال المنهوبة في تمويل التجمعات الحشدية، وطباعة ملايين المطبوعات واللافتات الخضراء والخطوط والشعارات التي تغطي جدران المدن وشوارعها ومبانيها الرسمية والخاصة في مشهد يعكس الرغبة في الطمس البصري والفطري لكل ما هو يمني جمهوري.
غسيل أدمغة الطفولة
لقد طالت الممارسات الحوثية الممنهجة ركائز البناء التربوي والتعليمي في البلاد من خلال تدمير ممنهج وواسع لقطاع التعليم، حيث جرى إدخال مئات التغييرات الطائفية على المناهج الدراسية وخاصة في الصفوف الأولى من التعليم الأساسي، وشملت هذه التغييرات استبدال الرموز الوطنية التاريخية ومناضلي الثورة اليمنية بشخصيات ورموز تنتمي للسلالة الحوثية وللفكر الإيراني، إضافة إلى حشو المقررات الدراسية بمفاهيم الجهاد بمفهومه الميليشياوي، وتأويل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بما يخدم فكرة الحق الإلهي المزعوم.
ولم يتوقف الأمر عند تحريف الكتاب المدرسي، بل تعداه إلى فرض ما تُسمى بالأنشطة الإذاعية الصباحية الإجبارية التي تردد شعارات المليشيا، وإلزام الطلاب بحضور محاضرات أسبوعية تعبئ عقولهم البسيطة بأفكار الكراهية.
وتعد المراكز الصيفية والدورات الثقافية المغلقة التي تقيمها المليشيا سنوياً للأطفال والشباب بمثابة المعسكرات الفكرية الأخطر، حيث يتم فيها عزل الأطفال عن أسرهم ومحيطهم الطبيعي، وإخضاعهم لعمليات غسيل دماغ مكثفة تعتمد على ملازم الهالك حسين الحوثي، مما يسهل لاحقاً عملية سوقهم كوقود للمعارك وجبهات القتال، وعلى مستوى التعليم العالي، عملت المليشيا على عزل الأكاديميين الوطنيين وتعيين عناصر من مواليها في رئاسة الجامعات وعمادات الكليات، وفرض مادة الصراع العربي الإسرائيلي وفق المنظور الحوثي الإيراني كمادة إجبارية على جميع التخصصات العلمية والإنسانية، مع منع أي أنشطة أو فعاليات طلابية لا تخدم توجهات المليشيا الطائفية.
المنابر الدينية والمجالس الاجتماعية تحت وطأة الإرشاد الأمني الحوثي
تحولت المساجد والمنابر في مناطق سيطرة الانقلاب من أماكن للعبادة والتعليم الديني السمح والتعايش المجتمعي إلى منصات أيديولوجية تابعة لوزارة الإرشاد والهيئة العامة للأوقاف الحوثية، وجرى طرد وملاحقة آلاف الخطباء والأئمة المعتدلين واستبدالهم بعناصر عقائدية مدربة في الحوزات تلتزم ببث خطب الجمعة المعممة والجاهزة والموجهة سياسياً، وتستغل المليشيا هذه المنابر للتحريض اليومي ضد المخالفين، والدعوة للنفير والتبرع المالي، وتكريس مفاهيم الطاعة العمياء لـقيادة المليشيا.
كما فرضت المليشيا آلية رقابة أمنية مشددة تمنع إقامة أي دروس أو حلقات لتحفيظ القرآن الكريم خارج إشراف مشرفيها الثقافيين، وامتد هذا الاستقطاب والفرض الفكري إلى المجالس الاجتماعية واللقاءات القبلية المقامة في الأحياء والحارات، حيث يُلزم عقال الحارات والمشرفون المحليون المواطنين والوجهاء بحضور الأمسيات الرمضانية والندوات الدورية لمتابعة الكلمات المباشرة لزعيم المليشيا، ويُعد التخلف عن حضور هذه المجالس مؤشراً على عدم الولاء يعرض صاحبه للحرمان من الخدمات الأساسية كالغاز المنزلي والمساعدات الإنسانية، أو يضعه تحت طائلة الملاحقة والاتهام بالخيانة والعمالة.
المنظومة الإعلامية الحوثية وأدوات البروباجندا الموجهة
سخرت مليشيا الحوثي كافة وسائل الإعلام الرسمية المنهوبة من تلفزيون وإذاعات وصحف رسمية ومواقع إخبارية إلى جانب شبكة واسعة من الإذاعات المحلية الخاصة والقنوات الفضائية، لخدمة هدف واحد هو إعادة صياغة الوعي الجمعي لليمنيين وتطبيعه مع الفكر الخميني، وتعمل هذه الوسائل على مدار الساعة في بث مواد برامجية ووثائقيات وزوامل شعبية مصممة بعناية للتأثير النفسي على المتلقي، ومحاولة إضفاء هالة من القداسة على القيادة الحوثية، وربط مصير اليمن واليمنيين بالمحور الإيراني.. وترافق هذا الضخ الإعلامي المكثف مع إغلاق تام وكامل للبلد أمام أي رأي آخر، وحظر مئات المواقع الإخبارية، وملاحقة الصحفيين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، لضمان بقاء المواطن في مناطق السيطرة تحت تأثير الرواية الحوثية الأحادية، ومحاصرته فكرياً ومعلوماتياً لمنعه من التفكير في واقع الإفقار والنهب والتعسف الذي يعيشه.
الحكومة الشرعية.. مواجهة خجولة
أمام هذا المشهد القاتم وهذا الهجوم الفكري الشامل والمستمر، يبدو أداء المؤسسات والجهات ذات العلاقة التابعة للحكومة الشرعية، كوزارات الأوقاف والإرشاد، والتربية والتعليم، والثقافة، والإعلام، والتعليم العالي، متواضعاً للغاية ولا يرقى لمستوى الخطر الوجودي الذي يتهدد الكيان اليمني، ويشكو الشارع اليمني والنخبة الثقافية والسياسية من غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة والشاملة لمواجهة هذا التحدي، حيث يقتصر دور هذه الوزارات في الغالب على إصدار البيانات الصحفية التنديدية، أو إقامة ندوات وفعاليات محدودة الأثر في بعض المحافظات المحررة دون القدرة على ابتكار آليات عابرة للحدود والخطوط للوصول إلى المواطنين الرازحين تحت نير السيطرة الحوثية، وتبرز المناهج الدراسية كأحد أهم خطوط الدفاع المعطلة، فرغم الوعود المتكررة من وزارة التربية والتعليم بتطوير المناهج وتحديثها وتضمينها مواد تحصن الطلاب من الأفكار السلالية، إلا أن الواقع يشير إلى بطء شديد في التنفيذ وعجز عن طباعة وتوزيع الكتاب المدرسي حتى في المناطق المحررة بالشكل الكافي، ناهيك عن غياب أي خطة رقمية أو منصات تعليمية تفاعلية موجهة لطلاب المدارس في مناطق سيطرة الحوثيين لتقديم البديل الوطني والتعليمي السليم لهم.
غياب المسؤولية
يتجلى غياب الدور المسؤول والمستمر للحكومة الشرعية في عدم قدرتها على إيجاد خطاب ديني وإعلامي وتربوي موحد ينطلق من قواسم وطنية وجمهورية جامعة، فالوزارات الرسمية تعاني من تشتت الجهود، وضعف التمويل، والارتهان للعمل الروتيني والبيروقراطي، في وقت تخوض فيه المليشيا معركة مصيرية بروح عقائدية لا تهدأ، كما يلاحظ ضعف كبير في أداء وزارة الإعلام والمؤسسات الإعلامية الرسمية التي عجزت حتى الآن عن إنشاء شبكة إعلامية حديثة ومؤثرة تمتلك أدوات الجذب والخطاب العصري القادر على تفكيك الأكاذيب والملازم الحوثية، ومخاطبة الشباب والاطفال بلغتهم واهتماماتهم، كما يسجل قصور واضح في أداء وزارة الأوقاف والإرشاد التي لم تستطع تنظيم جهود العلماء والخطباء والدعاة في جبهة فكرية موحدة ومستمرة، وتطوير الخطاب الدعوي ليكون أكثر ملامسة للواقع وأكثر قدرة على دحض الشبهات العقائدية والتاريخية التي تعتمد عليها المليشيا لشرعنة الولاية.
إن هذا التراخي الحكومي المستمر قد أوجد فراغاً كبيراً استغلته الآلة الحوثية لتوسيع مساحة نفوذها الفكري والتوغل أكثر في أوساط الأجيال الشابة التي ولدت أو وعيت بعد عام الانقلاب المشؤوم ولا تعرف عن الجمهورية وثوابتها إلا القليل.
المسؤولية التاريخية والواجبات العاجلة للحكومة
إن طبيعة المرحلة الراهنة والمصيرية تفرض على الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي مغادرة مربع الصمت والتحرك العاجل والمسؤول للاضطلاع بواجباتهم الدستورية والأخلاقية في حماية الهوية اليمنية وتحصين المجتمع والنشء من خطر التجريف الخميني، ويتطلب هذا التحرك صياغة استراتيجية وطنية عليا للأمن الفكري والثقافي تشترك في تنفيذها كافة الوزارات والجهات ذات العلاقة، مدعومة بموازنات مالية كافية تمنحها القدرة على الفعالية والتأثير، ويجب أن تضع هذه الاستراتيجية في مقدمة أولوياتها إصلاح وتحديث المنظومة التعليمية وتفعيل التعليم الرقمي والمنصات الإلكترونية المفتوحة لتوفر لجميع الطلاب في كل أنحاء اليمن تعليماً وطنياً خالصاً ومحصناً، مع ضرورة دعم المعلمين وتحسين أوضاعهم المعيشية لضمان ولائهم للرسالة التربوية الوطنية.
وفي المسار الديني والإرشادي، يتوجب على وزارة الأوقاف رعاية وإنشاء معاهد متخصصة لتأهيل الخطباء والمرشدين وتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة لتفنيد الفكر السلالي ودحض أطروحات الولاية والاصطفاء من منظور شرعي وتاريخي سليم، ونشر قيم الوسطية والاعتدال والتعايش.
أما على الصعيد الإعلامي والثقافي، فإن الحكومة مطالبة بإعادة هيكلة وتطوير وسائل إعلامها، ودعم إنتاج أعمال درامية وثائقية وبرامجية تفاعلية تسلط الضوء على تضحيات الحركة الوطنية وثوار سبتمبر وأكتوبر، وتكشف الممارسات الإجرامية والإفقارية للمليشيا، وربط جيل الشباب بجذور تاريخه الحضاري اليمني القديم والحديث، كما يجب على الشرعية تفعيل دور المراكز البحثية والجامعات الرسمية في المحافظات المحررة لإقامة الندوات والمؤتمرات العلمية التي تشخص الداء الحوثي وتضع الحلول العملية لمواجهته.
إن المعركة مع المشروع الحوثي المدعوم إيرانياً ليست معركة عسكرية في جبهات القتال فحسب، بل هي في أساسها وجوهرها معركة فكرية وثقافية على وعي وعقل الإنسان اليمني، والانتصار فيها يتطلب إرادة سياسية حازمة، وعملاً مؤسسياً مستمراً ومسؤولاً يعيد للجمهورية ألقها وللهوية الوطنية حصانتها وسيادتها.